أنفاس تُهدر على أبواب "سوف"
على رُحى التسويف...
يكون التأجيل استنزافًا للحياة، وقد تجاوز حدود الوقت، وكأن صاحبه يُسلِّم أيامه لقبضة الوهم، بعد أن غدر بذاته حين عاهدها على غدٍ لا يأتي على ما يشتهي!
ألا أخبركم عن كُنه ذلك التسويف؟
هو همسٌ ينساب من فمٍ خفي، بحروفٍ تتآلف لتكون عبارةً مفادها: "ليس الآن، فلديك سعةٌ لا تنتهي"، فتستقر في قلبٍ يُثقله الوهن، ويجد لها العقل صدى، وتخضع لها الجوارح على أنها الواقع الذي لا مخرج منه، فيقبع المرء في مكانه زمنًا، كغبارٍ تراكم على نوافذ البصيرة، فيضل الطريق، وإن كانت معالمه واضحةً للعابرين.
والعجيب في الأمر أن ذلك المرء تنتابه لحظة إدراك، وقد انجلت غيمة الغفلة، وأقرَّ بأنه أخطأ الطريق، وأن النجاة والخلاص ينتظرانه، غير أن النفس سرعان ما تُخدِّره، فيعود من جديد إلى عمق التسويف موطنًا!
وما على صاحب ذلك الحال إلا أن ينهض، بعد أن يُحارب جنود الدعة، وأن يعلم أن الخطوة الأولى تتبعها ألف خطوة، وأن الخلاص من العادة يحتاج إلى مغالبة، وأن يجعل النهاية، والفوز بالسعادة، هما المحرّكَين لبلوغ الغاية.
ثم اعلم — رحمك الله — أن الأيام خزائن الأعمال، وأنفاسك فيها جواهر تُحصى ولا تُهمل، فمن ضيّعها في "سوف" و"لعلّ"، باع عمره بثمنٍ بخس، وخسر الصفقة، وإن ظنّ أن الربح قد نزل.
فلا تغترّ بسعة الأمل، فإنها سرابٌ يخدع العطشان، ولا تركن إلى تأخير العمل، فإن التأخير باب الحرمان، وكم من مؤمِّلٍ أخّره أمله، حتى أدركه الأجل ولم يبلغ أمله.
وبادر قبل أن تُبادَر، وسارع قبل أن تُحاصَر، فإن العزم إن فتر أورث القلب كسلًا، وإن قوي أجرى في العروق أملًا، وفتح لك من أبواب التوفيق ما كان عنك موصَدًا.
واعلم أن النفس إن لم تُشغلها بالحق شغلتك بالباطل، وإن لم تَقُدها إلى الطاعة قادتك إلى الغفلة، فاختر لنفسك مقامًا تُحمد عاقبته، ولا تكن ممن يندم حين لا ينفع الندم ولا يُسمع الصوت.
واجعل لك من كل يومٍ فتحًا، ومن كل ساعةٍ سعيًا، فإن القليل مع الدوام ينمو، والكثير مع الإهمال يفنى، ومن صدق مع الله صدقه، ومن أقبل عليه قبله، ومن طرق بابه فتح له، وأدخله في سكينةٍ لا تزول.