حين تنتهي الحكاية وقد جفَّ حبرُ راويها،
ما عاد يُجدي نفعًا الوقوفُ عند بعضِ تفاصيلها،
وإن كانت وقفةَ محاسبةٍ كي تُصحَّحَ في تاليها.
في بعضِ الأحيان…
نقتحمُ عرينَ الفكرة، نفكِّك أجزاءَها،
نُحلِّل أنفاسَها، نعيشُ لحظتَها، نلتقطُ بعضَ واردِها،
ونُلملمُ شاردَها.
ولكن…
نلوذُ بالصمتِ احترامًا لكاتبِها،
وخوفًا أن يطيشَ رأيُنا عن مقصدِ بانيها،
وقد أنهكه التعبُ وهو يبني صروحَ واقعِها.
في تلكم الرواية…
وضعتم ثِقلَ تجاربكم في بعضِ فصولها،
وكأنكم تقصدون بذلك رؤيةَ انعكاسِ
ردَّاتِ الفعل في وجوهِ العابرين عليها.
تبحثون عن الجواب وقد أتاكم نبؤُه،
غير أنكم تريدون يقينًا يُضمُّ إلى يقينكم،
ليطمئنَّ بذلك قلبُكم.
تتوارى النيّاتُ خلفَ لفظِ الكلمات،
تنشرون بعضَ مخاوفكم، وبعضَ بحثكم،
وتضعون نتائجَ سعيكم معروضةً للمارّين في جداولكم.
قرأتُ الكثيرَ من رواياتكم،
فأبهرتني لغتُكم التي احتجتُ
إلى قواميسَ شتّى لأقبضَ على بعضِ معانيها،
وإن وجدتُها فلن أبلغَ بها ربعَ ما أردتم قوله.
تكتبون وكأنكم تختارون صفوةَ الصفوة لبلوغِ منتهى القصة،
وكأنكم تهربون من متطفّلٍ هاوٍ يقتاتُ من بذورٍ أُلقيت في أرضِ البحث،
قد يُشوِّه مساعيَ روايتكم.
وكم لامسَ عقلي، واستقرَّ في قلبي،
ذلك الإنهاكُ الذي بلغ فيكم منتهاه،
وأنتم تُطاردون الحقيقةَ في مواطنِ الخيال.
هل تذكرين؟
ذاك اللقاءُ الذي جمعني بكم،
وقد أهديتموني بعضَ أوراقِ روايتكم،
وطلبتم منّي الغوصَ فيها بقلبي ومشاعري،
وأخذتم عليَّ عهدًا أن أُسكتَ صوتَ العقل حينها،
كي لا أُبدي لكم من الأحكامِ المُعلَّبة — على حدِّ وصفكم.
حينها…
كرّرتُ لكم — بعد الألفِ مرّة —
أنكم تخشون مواجهةَ الحقيقة لغايةٍ تعلمونها أنتم،
وكأنكم استمرأتم سياطَ الضياع وهي تفتكُ بكم.
تسألينني: ما الذي يجعلني أستميتُ في قربكم؟
وأنا الذي عانيتُ من ردّاتِ فعلكم التي مرّغت كرامةَ صبري،
وأنا الذي أعيشكم وأتنفّسكم.
أجيبك…
عشقتُ فيكم كبرياءكم، غروركم، تحدّيكم، وصدقَ بحثكم.
وقد قرأتُ كلَّ ذلك فيكم، ووجدتُه الحصنَ والصورةَ القاتمةَ من شخصكم،
غير أنها تُخفي وراءها صورةً لا تُطابق ظاهرَكم.
أحببتكم حبَّ الوالدِ لابنته، وحبَّ الأخِ لأخته،
وحبَّ العاشقِ لمعشوقته،
وتيقّنتُ بأنكم سينتهي بكم المطافُ إلى ما يُبهج صدري،
وأنكم ستبلغون غايتكم…
حين تلتقون بذواتكم.
فإنَّ الإنسان — يا صاحبةَ الرواية —
لا يهلكُ من شدّةِ ما يجهل،
بل من شدّةِ ما يعرفُ ثم يُنكره في أعماقه.
نحن لا نبحثُ عن الحقيقة لأننا نحبُّها دائمًا،
بل لأنَّ في داخلِ كلِّ روحٍ خرابًا غامضًا
لا يُرمَّم إلّا إذا لامستْ يقينَها العاري.
ولعلَّ أكثرَ ما يُرهقُ العابرين في دروبِ الحياة،
أنهم يظنونَ بأنَّ النجاةَ وصول،
مع أنَّ النجاةَ الحقيقية
هي أن نعبرَ أنفسَنا
دون أن نفقدَ دهشتَنا الأولى.
فالقلوبُ التي أرهقها السؤال،
لا تعودُ كما كانت،
إنها تُصبحُ أكثرَ صمتًا،
أكثرَ عمقًا،
وأشدَّ خوفًا من المعاني السطحية.
وأنتم…
كنتم تُخفون تعبَكم خلفَ اتزانِ الكلمات،
لكنَّ الأرواحَ المُنهكة
تفضحُها الفجواتُ الصغيرة
بين الحرفِ والحرف.
أدركتُ أخيرًا…
أنَّ بعضَ البشر لا يريدون مَن يُنقذهم،
بل يريدون مَن يجلسُ بجانبِ انهيارهم
دون أن يُصدرَ حكمًا،
ودون أن يُطفئ فيهم
شهوةَ البحث الأخيرة.
ولذلك بقيتُ بقربكم،
لا لأنكم كنتم واضحين،
بل لأنَّ الغموضَ الذي فيكم
كان صادقًا حدَّ الألم،
ولأنني رأيتُ في أعماقكم
روحًا تُقاتلُ نفسها…
كي تصلَ يومًا
إلى سلامٍ لا يُشبهُ هذا العالم.
