مصباح محترق ... وشهادة وفاة
*مصباحٌ محترق ... وشهادة وفاة*
كان هناك مفوض شرطة متقاعد، اعتاد أن يعيش في منزل حكومي فاخر، ثم انتقل بعد تقاعده إلى منزله الخاص في أحد الأحياء السكنية. و كان لا يزال يعتز كثيرًا بمنصبه السابق ومكانته الاجتماعية.
كل مساء كان يذهب إلى الحديقة العامة، لكنه لم يكن يتحدث مع أحد، و كان يشعر أن من حوله ليسوا في مستواه.
وفي أحد الأيام جلس إلى جواره رجل مسن و بدأ يتحدث معه بودّ، لكن المفوض لم يهتم بحديثه، بل ظل يتحدث عن نفسه، و عن منصبه السابق، و هيبته، و احترام الناس له.
و قال بفخر: "أنا أعيش هنا لأنه منزلي الخاص."
استمر هذا المشهد عدة أيام، حتى قال الرجل المسن ذات يوم:
"يا سيادة المفوض... هل تعرف المصباح؟ طالما أنه مضيء فهو مهم، و لكن عندما يحترق (يتعطل)، فلا فرق بين مصباح قدرته 10 واط أو 100 واط، فكلاهما يصبح بلا نور."
ثم أضاف:
"أنا أسكن هنا منذ خمس سنوات، و لم أخبر أحدًا أنني كنت عضوًا في البرلمان لدورتين."
تغيّر لون وجه المفوض.
و أكمل الرجل:
الرجل الجالس إلى يمينك كان مديرًا عامًا للسكك الحديدية.
و الذي أمامك كان فريقًا في الجيش.
و الذي في الزاوية كان رئيسًا لمجلس إدارة شركة كبرى.
و مع ذلك... لم يتحدث أيٌّ منهم يومًا عن مناصبه السابقة.
ثم قال: "نحن جميعًا هنا... بمن فينا و أنت... مصابيح محترقة. و عندما ينطفئ التيار، لا فرق بين مفوض الشرطة و رجل الشرطة."
الشمس عند الشروق جميلة... و الشمس عند الغروب جميلة أيضًا...
لكن الناس يحيّون شمس الشروق، و ينسون شمس الغروب.
هذه هي حقيقة الحياة.
المناصب، و السلطة، و الجاه، و الألقاب... كلها أمور مؤقتة، و ليست هويتنا الحقيقية.
فإذا جعلناها أساس حياتنا، فلنتذكر أنها ستنتهي يومًا ما.
و كما في لعبة الشطرنج... الملك، و الوزير، و الفيل، و الحصان، و الجندي... لكل منهم قيمته أثناء اللعب.
لكن بعد انتهاء المباراة... يعود الجميع إلى الصندوق نفسه.
و في النهاية...
مهما حصلنا في حياتنا على شهادات، و أوسمة، و جوائز...
فإن آخر شهادة رسمية نحصل عليها جميعًا هي:
*شهادة الوفاة*
و قد يحتفظ بها أبناؤنا أو أحفادنا لفترة من الزمن لأغراض إدارية فقط...
أما الذي يبقى لنا حقا فهو أعمالنا الصالحة، أخلاقنا، و أثرنا الطيب بين الناس.
*اللهم أحسن خاتمتنا، واجعل خير أعمالنا خواتيمها، و خير أيامنا يوم نلقاك* .