ما إن يطولُ التجاهلُ حتى يذبلُ الصوتُ بين القلوب،
ويغدو الصمتُ جدارًا يعلو فوق كلِّ نداء،
فتنسحبُ المودّةُ بخطى خفيفة،
وتأتي القطيعةُ كظلٍّ لا يُطرد،
كَأنها تقول:
من تُهمله اليوم…
يستغني عنك غدًا.
عرض للطباعة
ما إن يطولُ التجاهلُ حتى يذبلُ الصوتُ بين القلوب،
ويغدو الصمتُ جدارًا يعلو فوق كلِّ نداء،
فتنسحبُ المودّةُ بخطى خفيفة،
وتأتي القطيعةُ كظلٍّ لا يُطرد،
كَأنها تقول:
من تُهمله اليوم…
يستغني عنك غدًا.
يا لَهذا الانتظارِ المرّ… يتكرّرُ فينا كأنَّه قدرٌ مُحكم،
يمتحنُ صبرَنا كلَّ يوم، ويقيسُ نبضَ الرجاءِ في صدورٍ تتعبُ ولا تستسلم.
كأنّ الحياةُ تُعيدُ علينا الدرسَ ذاته:
أنَّ الفرجَ يأتي حين نظنُّ أن لا شيء سيأتي،
وأنَّنا خُلقنا لنثبتَ رغم ثقلِ الامتحان.
...
قوية هي المرأة التي تعشق القهوة
............
....
نصل لمرحلة لا تقبل فيها اي عذر
ليس لأننا اردنا ذلك ولكن كرامتنا فوق كل شي...........
سبعا من الانتظار
حتى طرقت باب الجار
كانت تحب ان تشكي ماذا فعل بعض الكفار
بداخلها هذيان ألم تفجره طاقة من بعض الاشرار
قالت : ما زلت جميلة
وما زال البعض يرمقني بنظرة خطيرة
وان لها سحر الخيال وتعيق البعض بحركة مثيرة
هداها الله حين مرضها تبكي ندما مستجيرة
لا تعبثي بالحال
فكم من مصيبة بدات بمزحة واتصال
ثم بكاء وسوء طالع وفعل محال
فليعلموا…
أنّنا لا ننهزمُ بظنّهم،
وأنّ قلوبًا صافيةً لا يُلوّثها من اعتاد أنْ يعيشَ في الظلال؛
فمن تجرّأ على نقاءِ الأمس، لا يستحقُّ مكانًا في غدٍ نُضيئه نحن.
في لحظةِ تأمّلٍ تتخفّفُ الروحُ من أثقالِها،
فتغدو كنسمةٍ تلامسُ أطرافَ الكون.
أغوصُ في داخلي، فأجدُ ظلاماً يضيئه صمت،
وقلقاً يسكّنه يقين، وهمساً يقول:
مَن عرفَ نفسه، وسِعَتْه الحياةُ كلُّها.
أُغمِضُ عيني، فيتّسعُ داخلي أكثرَ من خارجي؛
فأرى في صمتِ التأمّل بحاراً بلا موج،
ونوراً بلا مصدر. وحين ألامسُ جوهري،
أدرك أنّ الروحَ طريقٌ لمن تجرّأ على الغوص،
وأنّ أعظمَ اكتشافٍ هو أن تجدَ في أعماقِك
ما كنتَ تبحث عنه في العالم.
حين تهاوتْ أقنعةُ الزيفِ من حولي،
لم تغضبِ الروح، بل أنفاسُها لانَت؛
كأنّ الحقيقةَ جاءت تمسحُ على قلبي بيدٍ من نور.
فهمتُ أن الصدقَ لا يأتي ليجرح،
بل ليُرَبّي فينا طمأنينةً كانت تنتظر.
فالحقيقةُ—وإن بدتْ قاسيةً أولَ الوصل—
هي بابُ شفاء، ورفيقةُ طريقٍ لا تخون.
وما إن فتحتُ لها صدري، حتى شعرتُ
أن العالمَ اتّسع، وأنّ ما كنتُ أخشاه…
كان في الأصلِ نعمةً تتخفّى.
حين خالفتني دروبُ القدَر عمّا اشتهتهُ نفسي،
ظننتُها تُقصيني، فإذا بها تقودني.
ومع كلّ بابٍ أُغلِق،
كنتُ أسمعُ في قلبي همساً رقيقاً يقول:
ليس كلُّ ما ترغبُه خيرٌ لك،
ولكنّ ما يختارُه الله هو الخيرُ كلّه.
فتعلمتُ أن أُسلّم الخطوةَ لمن يرى من فوق الغيب،
وأن أطمئنّ لأنّ القدَر—وإن جارَ في العين—
عادِلٌ في الحكمة، وأنّ ما حُرِمتُه اليوم…
قد يكون أماناً خبّأه الله لغدٍ لا أعلمه.
حين التوتْ مساراتُ الحياةِ عن رغباتي،
أدركتُ أن القدَر لا يضلّ،
بل يهدينا بطرقٍ لا نفهمها أولَ الأمر.
فكم من حلمٍ رحل،
ليأتي بعده خيرٌ لم أتخيّله،
وكم من بابٍ أغلق، ليُفتح
في الروح نورٌ أوسع من الأبواب كلّها.
وهكذا فهمتُ أن اختيارَ الله ليس صرفاً للأمنيات،
بل صرفٌ عمّا يضرّ، وجذبٌ إلى ما يصلح.
ومن يومها صرتُ أسيرُ مطمئناً،
فمَن تولّى أمري هو الذي لا يُخطئ التدبير.
ما أغربَ عنادَ القلوبِ حين يعميها الغرور،
فتفقدُ من كان يقتربُ لها بخفةِ الروح وصدقِ النوايا.
والأعجبُ من ذلك أن يستغني المرءُ
ثم ينسجَ سوءَ ظنّه حول من أحبّه،
كأنّ الطيبةَ خديعة، وكأنّ التودّدَ شرك،
وكأنّ الاستماتةَ للبقاءِ ليست حبّاً بل بقايا امتنانٍ مُبتذَل.
وتمضي الأيام، فيدركُ ذاك المستغني—بعد فواتِ الوصل—
أنّ من ظنّه متلفّعاً بالخبث، كان أصدقَ ممّن احتفى بهم لاحقاً.
لكنّ العنادَ إذا اكتمل، أطفأ آخرَ شمعةٍ في دربِ القرب،
فلا يبقى إلا صدى الندم… يطرقُ باباً أغلقَه سوءُ الظنّ بيدٍ واحدة،
وفتحَته الخسارةُ بكلتا اليدين.
ها أنا في رصيفِ الانتظار، أُمسكُ بطرفِ الصبرِ كما يُمسكُ الغريقُ بخشبةِ النجاة؛
أفتحُ للآيبين بابًا، وأُبقي للراجعين عن الخطأ ضياءً لا ينطفئ مهما طال غيابُهم.
فما عادني إلّا الإحساسُ بأنَّ القلوبَ –وإن تاهت– تعرفُ طريقَ الرجوع،
وأنَّ الخطأَ –وإن جفا– يظلُّ يحملُ في جوفه بذرةَ الاعتذار.
يا من أثقلتكَ الزلّةُ، لا تخشَ العودة؛
فالليلُ، وإن طال، يهبُ فجرَهُ لمن يطرقُهُ بـ صدقٍ وانكسار،
والقلبُ، وإن جُرح، يظلُّ يخبّئُ في عمقِهِ متّسعًا لمن عاد أصوبَ ممّا كان.
إني هنا…
أُشيّعُ العتبَ في سجعٍ هادئ،
وأستقبلُك بصفحةٍ بيضاء،
فما أجملَ الرجوع حين يجيءُ من بوابةِ النية الطاهرة
وما أصدقَ الاعتذار حين يلامسُ روحَ الغفران.
ها أنا في ممرٍّ لا تُرى نهاياتُه،
أُصغي لخطواتٍ تقتربُ ثم تبتعد،
كأنها ظلٌّ يجرّ أسراره على أرضٍ لا تحفظُ الأثر.
أعرفُ أنَّ للخطأ دروبًا تبتلعُ أصحابَها،
وللرجوع بابًا لا يُفتحُ إلا لمن أدرك أنَّ الضوءَ
يُقيمُ أحيانًا خلف ستارٍ من ظلالٍ مرتجفة.
وأنا… لا ألوّحُ ولا أدعو،
أكتفي بأن أترك في العتمةِ ومضةً
قد يراها من قرّر أن يعود،
فيمشي نحوها بخطواتٍ نصفها ندم
ونصفها يقظةٌ متأخّرة.
فالعوداتُ الغامضةُ لا تحتاجُ استئذانًا،
وما بين الخطأ والصواب
مسافةٌ يسكنها الصمتُ وحده،
وفي الصمتِ يعرفُ الراجعون
أين تواري الأبواب المفتوحة.
اقتربْ إن شئت…
فالظلالُ هنا رحبة،
والغفرانُ يختبئ مثل طائرٍ خجول
لا يهبط إلا على كفٍّ جاءت من بعيد
تحمل شيئًا من الأسى
وشيئًا من النضج الجديد.
قريبا سينتهي زمن الكفار
سيختفي الشرك وظلم جبار
وستنكشف الاقنعة وسيعلن من الصادق ومن هو بين الاشرار
تتخفى بملابس الرجال
تبعث بالحروف صور كالخيال
تحب ان تتسلى بوجدان وتداعب المجال
لا تترفق فهمها الضحك وشماتة على فقد الطريق ومن ظل
اخبرت بعد كتمان
بأنها احبته كأنسان
كان حلمها منقوش مصان
بأنه رجل لم يأتي به من قبل الزمان
ثم
افاقت بعد امد وما كان قد كان
اصبح جرحها من ظنته انسان
معاقر لكل منغص لها حتى كادت ان تفقد العينان
لم تستعد للواقع فأصبحت صدمتها مصيبة أمرضتها عامان
يا نَفْسُ، تاهت خُطايَ بين خوفٍ ورجاء،
تُضرمينَ في صدري نارًا، وتسكبين عليه ماء.
تهوين بي حينًا، وترفعينني حينًا آخر،
فكوني لي سكنًا إذا ضاق الفضاء،
وكوني لي نورًا إذا أظلمَ المساء.
يا نفس، كم تخفين خلف صمتك ضجيجاً لا يسمع،
وتنسجين من جروحك حكمة لا تصنع.
تسقطين بي حين أغتر، وترفعينني حين يذكّرني ضعفي.
أنتِ سر ظلامي ونوري معاً.
فاهدئي قليلاً… فلعل ليلك يزول،
ولعل نورك، إذا صفا، يعود في القلب ويحول.
العودة بعد الغياب، كنسيمٍ يطرق الأبواب بصمت،
تعود الأرواح إلى أوطانها، والقلوب إلى دفء الوعد القديم.
تلتقي العيون بما مضى، وتهمس الذكريات بما تبقى،
تعود الخطوات لتستعيد الأرض، وتعود الأيدي لتشدو بالأمان.
فكم من غيابٍ كان طولُه ألمًا، وكم من صبرٍ كان دربًا للنور،
وكم من فرحةٍ تعانقنا حين عادت النفوس إلى مسرحها الأول،
فالغياب مدرسة، والعودة حلمٌ مكتمل،
وعندما نعود، نعود أعمق، أهدأ، أكثر معرفة بأن فينا حياة لا تهزم.
لعل هناك من يظن ولو لوهلة
أن الابتعاد كان بدافع المكابرة،
ابتعادًا لم تفرضه إلا الحاجة،
ولم يأت إلا حين استوى الإدراك على مداه.
وفي حقيقته، أنه جاء حين أدركنا بأن البقاء
هو ضرب من المغامرة وخيانة للنفس الحاضرة،
خيانة تُثقل القلب وتذر في الروح أوهامًا
ضاع أثرها في صمت اللحظة.
لعل إدراك الأمر قد جاء متأخرًا،
وما العذر إلا بقايا أمل على عودة من سحبها العناد
والكبرياء إلى مواطن غابرة، مواطن يئن فيها الماضي
ويهمس فيها الحنين، مواطن تتساقط فيها الأيام
كما تتساقط أوراق الخريف صامتةً
لا تُنذر إلا بما قد مضى.
لعل الرحيل أحيانًا ليس عن اختيار،
بل عن لحظة وعيٍ فرضها الزمن،
حين صار البقاء عبئًا على الروح،
ومغامرةً لا تحتملها النفس.
وفي صمت الفقد،
ندرك أن كل خطوة كانت امتحانًا،
وأن كل ابتعاد يحمل في طياته درسًا
لا يُرى إلا بعد أن تخبو ضوضاء الحاضر.
قد يتأخر الإدراك، وقد تتراكم الندوب في القلب
قبل أن نعي حدودنا، ولكن يبقى الأمل خيطًا رفيعًا،
يربط الماضي بالحاضر، ويهمس بأن العودة ممكنة،
وإن كانت على دروب صعبة،
وإن كانت على أرصفة الذكريات
التي تحمل بصمات الكبرياء والأنانية.
هنا، في ذلك المساء الصامت، تدرك النفس
أن كل غياب يحمل بصمة، وكل مغادرة تُعلّم الصبر،
وكل لقاء جديد يبدأ من رماد ما فات،
ليزرع في القلب حنينًا أقوى، وفهمًا أعمق،
وشجاعة لمواجهة ما سيأتي.
قد تمرّ عليكم حروفُنا في معقلِ الغياب،
ويخنقُ صبرُنا كوامنَ العناد،
وفي المحصّلة… ندمٌ بعد فواتِ الأوان،
وحسرةٌ تسري في شرايينِ الذكرى كسَرَيانِ الضياء،
وشهقةُ قلبٍ تائهٍ بين رجاءِ اللقاء ووجعِ الفراق،
فلا نحنُ أدركنا اللحظة، ولا اللحظةُ أمهلت خطانا.
تمضي مواسمُ العمرِ خلسةً،
وتتوارى خلفها أمنياتٌ أرهقها الانتظار،
فنلملمُ ما تبعثرَ منّا بين دروبٍ ضاقت بنا،
ونُصغي لنبضٍ يتعثّر بين رجفةِ خوفٍ ولهفةِ أمل،
حتى إذا لاحَ الضوءُ من بعيد…
أدركنا أنّ الطريق أطولُ مما ظننّا،
وأنّ القلبَ لا يشيبُ من الفقد،
بل يشيبُ من كثرةِ ما حاول أن يبدأ من جديد.
تتوارى الكلماتُ خلفَ المعنى،
وتتجلّى في فضاءِ الإدراك،
وتنسابُ على جبينِ اللحظةِ كقطرةِ إشراق،
فلا يُبقي البوحُ سِرًّا، ولا يُبقي الصمتُ اتساقاً،
وكأنّ الحروفَ تولدُ من رحمِ الفكرةِ لتُعلنَ نبضاً…
وتفتحُ في دروبِ الروحِ نافذةَ إشراق.
وتتقدّمُ المعاني بخطىً من نور،
تطرقُ أبوابَ القلبِ طرقَ العارفين،
فإذا الشعورُ ينهضُ من سباتِه،
وإذا الفِكرُ يرفرفُ كطائرٍ تحرّر من قيدِ السكون،
كأنّ الحروفَ تُعيدُ ترتيبَ الفوضى،
وتغزلُ من شتاتِ اللحظةِ عباءةَ يقين،
فتمضي بنا إلى حيثُ تنطفئُ الضوضاء،
ولا يبقى سوى همسُ الحقيقةِ يملأُ أفقَ الوجدان.
حين تختبئُ الكلماتُ خلفَ ستارِ الخاطر،
تنهضُ المعاني كفجرٍ يُزاحمُ ظلمةَ السرائر،
وتلوحُ في مدارِ الوعي إشاراتٌ تُضيءُ ما غاب،
فيمتدُّ البصَرُ بين غيمٍ يُوشِك أن يمطر،
ونبضٍ يُوشِك أن يعترف،
فتغدو اللغةُ جسرًا،
وتغدو الروحُ زائرًا يقرأ ما لا يُقال،
ويجمعُ من شتاتِ الفكرةِ نورًا
ينسكبُ على أعتابِ الخيال.
تتشابكُ الدروبُ حين يثقلُ القلبُ بالحنين،
وتنفرجُ حين يمرُّ نسيمُ الطمأنينةِ بين الضلوع،
فتتبدّلُ الملامحُ في مرآةِ الروح،
ويتهامسُ الأملُ مع يومٍ لم يولد بعد،
كأنّ الزمنَ يطوي صفحاتِه بمهل،
ويُهدي لكلِّ خاطِرٍ لحظةَ صفاء،
فنمضي بين تقلّبٍ واستقرار،
نبحثُ عمّا يُعيدُ للخطى معنى،
وللنظرِ مدى،
وللقلبِ مكانه الذي لا يُزاح.
مع ثقل اللحظات التي نصارعُ دقائقَها،
نغوص في عمقٍ نستجلب منه، في لحظة احتراق، عظيم نتائجها،
فتتراكمُ الخبراتُ كجبالٍ لا تُنال إلا بالصبرِ والاجتهاد،
وفي مدرسةِ الحياة أطنانٌ من الدروس،
لا يستفيدُ منها إلا الصادقُ الساعي في مناكبها،
والقلبُ يقاومُ الرياحَ، والعقلُ ينهلُ من بحرِ التجارب،
فتتجلى الحكمةُ حين يلتقي العملُ بالصدقِ، وتثمرُ العزيمةُ.
العناد…
ليس صخرةً تعترض الطريق، بل ظلُّ سؤالٍ يتخفّى في الروح:
أهو إرثُ بيئةٍ قست فأقست،
أم كِبرٌ يتدلّى من شجرة الأنا،
أم هو حفاظٌ على كرامةٍ نخشى أن تُداس؟
وللحبّ حكايةٌ أخرى؛
فمن نحبّ نقف أمامهم بين حدّين:
عنادٌ يحفظُ هيبتنا… ولينٌ يحفظُهم،
فلا نحن نريد أن ننكسر،
ولا نطيق أن نخسر.
ولعلّ أجمل الانتصارات،
هي تلك التي نترك فيها العناد جانبًا،
ونتقدّم خطوةً نحو من نحبّ،
لا ضعفًا… بل إدراكًا بأن الخسارة أثقل من التنازل،
وأن الكرامة لا تُنتزعُ بالاعتذار،
ولا تُثبَت بادعاءِ القوة،
ولا تُصان بإيهامهم أننا بخيرٍ بهم وبدونهم.
فالذين يسكنون القلبَ لا يُقاسون بموازين العناد،
بل تُوزن قيمتُهم بمقدار ما نخشى رحيلهم،
وما نتراجع عن كبريائنا كي لا يبتعدوا.
أحيانًا نخالُ العنادَ درعًا يرفعُنا،
فنتمسّك به أمام من نحبّ،
كأننا نثبت لهم أننا أقوى،
وأن حضورهم لا يزيدنا، وغيابهم لا ينقصنا.
لكن الحقيقة تُهمس من تحت الرماد:
العنادُ لا يحفظ كرامةً،
ولا يحمي قلبًا،
بل يدفع الأحبّة إلى الحافة.
ولذلك—
قد يكون التنازلُ حكمة،
والتراجعُ خطوةَ بقاء،
فالقلوبُ لا تُصان بالتشدّد،
بل بالمحبة التي تخشى الفقد…
أكثر من خوفها من الانكسار.
ذلك الذي يتحسّس من كلِّ كلمة،
ويقرأ في الهامش جراحًا ليست له،
وينفخ في شرارةٍ صغيرةٍ حتى تصير نارًا،
نسيَ الوعدَ الذي قطعه بأن يترك هذه الحساسيّة المفرطة،
التي تقتاتُ على هدوءه،
وتسلب من العقل رُشدَه ومن القلب اتّزانه.
كأنّه يعيش على حافة التأويل،
يُفسِّر الهمس هجومًا،
والسكون اتهامًا،
ويجعل من أبسط العبارات منحدرًا نحو خصامٍ لا معنى له.
ولو علم أن النفوس تُرهق من ظنونه،
وأن العلاقات تبهت تحت ضغط شكّه،
لأدرك أن التخفّف من الحساسية…
ليس تنازلًا،
بل خلاصًا،
وأن صفاء العقل لا يعود
إلا حين يهدأ هذا الاضطراب الذي يبالغ في كل شيء…
حتى يوشك أن يبدّد كل شيء .
الحمدُ لله على النِّعم التي تأتي بعد الفقد،
وعلى الوجوه التي تُشرق في حياتنا
حين تنطفئ فينا ظلالُ آخرين.
فما أعظم أن يُبدلنا الله بخيرٍ ممّن كانوا معنا؛
أُناسٍ يفهمون قبل أن نُفسِّر،
ويحتوون قبل أن نطلب،
ويأتون بتواضعٍ يطفئ صخبَ الغرور،
وبقلبٍ نقيّ لا يعرف عُجبًا ولا ادّعاء.
هؤلاء الذين يخفّون كالمطر،
وينزلون على الروح سكينةً ورحمة،
فيذكّروننا أن الفقدَ ليس نهاية،
وأن الله حين يأخذ…
يأخذ لِيُعطي،
وحين يُبعد…
يُبعد ليقرّب ما هو أحنُّ،
وأصدق،
وأجمل.
فطوبى للقلوب التي بدّلها الله بخير،
وطوبى للنِّعم التي تأتي في هيئة بشرٍ
يُصلحون ما أفسده الغياب،
ويُعيدون للنفس اتزانها…
وكأنهم هديةٌ من السماء.
مررتم كحُلْمٍ عشنا تفاصيله بغموض،
خالطنا فيه البُعدَ والقُرب، والسعادةَ والشقاء.
وباستيقاظنا من ذلك الحلم
بقينا نعيش على أثر ذكراه.
وما بينَ مرورٍ يهمسُ بالصُّدَف،
وذكرى تتدلّى كقنديلٍ من طيفٍ عزف،
تركتم في الروح ظِلًّا لا يَذبل،
ونبضًا كلّما خبا عاد يشتعل.
عشنا خطوكم كهمسةٍ تعبر الدروب،
تمسّ القلب قربًا وتُربكه بُعدًا يذوب،
فانطفأت لحظة الحلم،
لكن أثره ظلَّ يضيءُ حيث لا نرى…
ويُطفئ حيث لا نُطيق .
وكأنَّكم مررتم على العمر مرَّ النسيم،
لا يُرى، لكنه يُبدّلُ ملامح الحنين.
تسلّلتم إلى الذاكرة كقطرة ضوء،
فعرف القلبُ أن بعض المرور… يقيم ولا يَروح.
عشناكم كصفحةٍ تُقلَبُ بلا يد،
كخطٍّ يكتبنا قبل أن نكتبه،
وكأنَّ اللحظة التي جمعتنا
كانت قدرًا يختبرُ صبر الوقت على الفُراق.
ثم انفضّ الحلم،
لكنَّ رائحته بقيت في كل صباح،
تهمس:
إن الذين يأتون صدفة…
يعودون في الذاكرة قصدًا.
في رُقعةٍ من العالمِ العربي،
تخبو أصواتُ الحقّ، وتعلو زمجرةُ عتادِ الباطل،
وفي الوسطِ أسودُ الشَّرَى تستبسلُ لتُعيد المجدَ من عمقِ الوغى،
كأنَّ الصهيلَ يُنادِيهم،
وكأنَّ الأرضَ تُقسمُ ألا تنبضَ إلّا بخطاهم،
فيمضون بين العاصفةِ والمبدأ،
لا يهابون صليلًا، ولا يَهِنون أمام زيفٍ يعلو للحظةٍ ثم يزول،
فهم حُمَاةُ الدرب،
وسُرُجُ الفجر حين يطولُ ليلُ الوغى ويثقل.