-
هي اقانيم وجب على خائض الحياة ان يدرك ماهيتها،
ليفكك الغامض من واردها، ويستخرج المعنى من ركام التأويل.
فليس من الصواب خوض غمار الحياة بمجازفة،
ولا الانسياق خلف الايمان بضربة حظ؛
فالحقيقة لا تفتح ابوابها للمستعجلين،
ولا تكشف وجهها لمن يقف عند ظاهرها،
بل تحتاج الى ماهر يحسن تفكيك غامضها،
ويقرأ ما بين سطورها، ويصغي
الى صمتها قبل نطقها.
-
تمنيت لو أن كل الامنيات تجد طريقها الى التحقق،
ولو أن ما يسكن القلب من رجاء لا يصطدم بجدران الغيب.
غير أن للقدر كلمته التي تأتي من وراء حجب لا تدركها الابصار،
فتغير مسارات الاشياء قبل ان تصل اليها الايدي.
وما العزاء إلا استمطار اليقين من سماء الرضا،
بأن ما انحرف عن رغبتنا لم ينحرف عن حكمته،
وأن بعض المنع ليس حرمانا، بل ستر لمعنى لم يحن اوانه.
ومن ذلك اليقين يواسي الانسان حسرته،
ويجد في غياب ما اراد حضورا لمعنى أعمق
مما اشتهى.
-
من أقبيةِ البحث ننظرُ إلى الظل،
لعلَّ في لفيفِه ينبعُ الأصل،
وفي أطرافِه تستيقظُ الحقيقة؛
فما كلُّ نورٍ يدلُّ، ولا كلُّ ظلٍّ يُضلّ،
فكم من أثرٍ قاد إلى المؤثِّر،
وكم من فرعٍ دلَّ على الجذر.
-
من مآقي اللهفة تقطر بسمةٌ تختمرها الدهشة،
ومن رفات الوجع تُخلق رعشة،
تجد تردداتها في قلبٍ اتخذ من الغفلة قِبلة،
ومن الوهم منزلة،
فلا يرى في النور إلا ظِلَّه، ولا يسمع في الحق إلا صدى جهله.
-
-
لن تنجح في إبرام صفقة مع من لا تشعر بالأمان معه،
والأشد غرابة؛ كيف يطمئن قلبٌ إلى حديثٍ مع من يخشاه!
ما نعانيه؛ أننا نستخرج من رماد الماضي نارًا نوقدها في حاضرنا،
ونمنح جراح الأمس حقَّ الوصاية على الغد،
فنحكم على الأيام قبل أن تأتي،
ونُدين الوجوه قبل أن تتكلم،
حتى يغدو المستقبل سجينًا في أقفاص الذكريات،
ويصبح السقوط قدرًا صنعناه بأيدينا، قبل أن تصنعه الحياة.
-
لعلَّ هناك ما يحول بيننا وبين التصريح بما يعتلج في الصدر؛
ارتيابٌ في الشخص، أو ماضٍ مُرّ، أو هواجسُ ما تفتأ تطفو
على السطح كلما همدَت.
وفي معمعة كل ذلك؛ لِمَ التقرب؟! وكيف يولد الأمان؟
أهناك سقفٌ من الزمن إذا بلغناه اطمأنت القلوب،
أم أن الطمأنينة قرارٌ لا تصنعه الساعات؟
أسئلةٌ مديدةٌ تتناسل من أسئلة، ويتطاير شرارها في أرجاء النفس،
حتى يغدو الصمتُ جوابًا، والترددُ وطنًا، ويقف القلب على عتبة البوح،
لا يجرؤ على الدخول، ولا يقوى على الانصراف.
-
حين تنتهي الهواجس،
تُفتح لك نوافذ السعادة التي طالما أوصدتها بيديك،
لا لأن الحياة أبت أن تمنحك نورها،
بل لأن الخوف أقنعك أن كل نافذة تؤدي إلى هاوية.
الحياة ليست معقدة إلى الحد الذي يدعوك إلى إسقاط الثقة عن جميع الخلق،
ولسنا متعبدين في الغوص في قلوب الناس، ولا مأمورين بتفتيش نياتهم،
فذلك علمٌ استأثر الله به.
يكفينا أن نوصد منافذ الغفلة،
ونُحكم محابس الأمان،
ونحصن أنفسنا بالحكمة لا بالريبة،
وبالفطنة لا بالخوف؛
فإن غزاة القلوب لا يقتحمون حصنًا عامرًا بالوعي،
وإنما يترقبون لحظة ضعف، فيعبرون منها إلى الروح،
حتى يستوطنوا مواضع الحياة فيها، فلا يتركون بعد خضرتها إلا يبسًا،
ولا بعد أنسها إلا وحشة.
-
عجيبٌ شأنُ القلوب؛
تُقبل نحو القرب، ثم تستوقفها عند العتبات بقايا الأمس.
تمضي خطوةً إلى الأمام، ثم تلتفت خلفها كأن في الطريق أثرًا من جرحٍ قديم،
أو صدى صوتٍ مضى ولم يرحل تمامًا.
فما أثقل أن يحمل الإنسان بين يديه حاضرًا جديدًا،
وفي صدره حكاياتٍ قديمة تُلقي بظلالها على كل بداية.
هناك قلوبٌ لا ترفض الوصال، ولكنها تخشى تبعاته،
ولا تنكر جمال القرب، ولكنها ترتاب من ثمنه،
تشتهي السكينة، غير أنها تخاف الطريق المؤدي إليها.
ولعل أعظم ما يرهق الروح أن تُحاكم الوجوه الجديدة بذنوب الوجوه الراحلة،
وأن تُغلق نوافذ اليوم خوفًا من عواصف الأمس.
فليس كل اقترابٍ اقتحامًا،
ولا كل يدٍ تمتد تحمل أذى،
فبعض الأرواح تأتي لا لتسكن مواضع الوجع،
بل لتعيد للمواضع التي ذبلت شيئًا من خضرتها.
غير أن الطمأنينة لا تُنتزع انتزاعًا،
ولا تُمنح بالإجبار؛
إنها تولد حين يهدأ صخب الذاكرة،
ويُدرك القلب أن ليس كل غدٍ نسخةً من الأمس.
-
-
من أعجبِ ما يُبتلى به الإنسانُ أن يقضي عمره يُرمِّم الجدران،
وينسى أن الشقوقَ بدأت في الأساس. فنحن كثيرًا ما نُخاصم النتائج،
ونُهادن الأسباب، حتى إذا أعيا بنا الطريق، اتهمنا القدر، وما ظلمنا إلا أنفسنا.
ليست الحقيقةُ دائمًا ما تراه العين، وإنما ما ينجو من تغيُّرها؛
فكم من وجهٍ أضاءته المسافةُ فأحببناه، فلما اقتربنا منه انطفأ،
وكم من أمرٍ حسبناه خسارةً، فإذا به البابُ الوحيدُ الذي كان يقود إلى النجاة.
والحياةُ لا تُرهق الإنسانَ بكثرة ما تحملُه على كتفيه،
وإنما بكثرة ما يحملُه في قلبه؛ فالأحمالُ تُوضع،
أما الأثقالُ التي تسكن الروح، فهي التي تُبطئ المسير.
ولعلَّ أعظمَ الحرية أن تُحسنَ التخلِّي؛ أن تعرف متى تُغلق بابًا لا يفتح إلا الريح،
ومتى تُطفئ نارًا لا تُنير إلا الرماد، ومتى تترك سؤالًا لأن الجوابَ قد اختار الصمت.
إن الزمنَ لا يُغيِّر الناس، بل يكشف طبقاتهم؛
كما ينحسر البحرُ عن صخوره،
لا ليخلقها، بل ليُظهر ما كان مستورًا تحت مائه.
وما الإنسانُ إلا مسافرٌ يحمل مصباحًا في مهبِّ الريح؛
فإن جعل زيتَه من الحكمة دام ضياؤه، وإن ملأه من أهوائه،
أكلت النارُ المصباحَ قبل أن تُضيءَ الطريق.
فلا تركض خلف كلِّ ما يلمع؛ فإن النجومَ البعيدة تهدي السائر،
وأما الشهبُ القريبة، فما خُلقت إلا لتحترق.
-
من نواةِ الضميرِ يولدُ الشعور، ومن صفاءِ الشعورِ يسطعُ النور،
ومن إشراقِ النورِ يستقيمُ المسير.
ومن تقلُّباتِ الحياةِ يولدُ الحنين، ومن تعاقبِ الليالي يشتدُّ الأنين،
ومن صمتِ الذكرياتِ ينطقُ اليقين.
فالضميرُ أصلٌ إذا صلحَ أثمر، وإذا فسدَ أقفر، والحنينُ أثرٌ لا يُولدُ من الفراغ،
بل من قلبٍ ذاقَ الوصالَ ثم عرفَ الانفصال، وشهدَ الإقبالَ ثم أدركَ الزوال.
وهكذا يمضي الإنسانُ بين ضميرٍ يُهذِّبه، وحنينٍ يُؤدِّبه؛
فهذا يردُّه إلى الحقِّ إذا مال، وذاك يردُّه إلى نفسه إذا طالَ به الترحال.
-
-
حين تترنّح الهمّة تحت وطأة التسويف،
تتبعثر الغايات في متاهات الأعذار،
حتى يغدو الفشل ثمرةً يقطفها التردّد.
-
في أدراجِ الرياحِ تتأرجحُ الغايات،
وتذبلُ الأمنيات، وتخبو جذوةُ الأمل،
فلا يبقى على صفحةِ المشهد إلا اليأسُ عنوانًا،
والحسرةُ برهانًا.
-
-
على جدرانِ الصمتِ كتبتُ رموزَ الأنا،
وعلى شرفاتِ النفسِ وقَّعتُ أنا،
حتى إذا أشرقت شمسُ المعرفة،
ذابت الأنا... وبقي وجهُ المعنى.
-
إيّاكَ ومقاصلَ الحياد؛
فإنها لا تذبحُ المواقفَ فحسب،
بل تنحرُ المراد.
فإذا صمتَّ حين وجب البيان،
واسترسلتَ فيما لا ينفعُ الإنسان،
فاتكَ سباقُ الخلاص،
فالحياةُ ميدانُ ساعٍ ومضمارُ اجتهاد،
وخطُّ النهايةِ... جزاءُ العطاء، وثمرةُ الوفاء،
ووسامُ من صدقَ في الكفاح.
-
-
لا تجعل قلبك أسيرَ اللحظة؛
فإن أكثرَ القرارات ندمًا وُلِدت من انفعالٍ عابر،
وأكثرَ النجاحات نضجت في صدرٍ صبر
حتى استبان له وجهُ الحقيقة.
-
ليس كلُّ ما يتأخر ضياعًا،
ولا كلُّ ما يتعجّل نوالًا؛
فالحكمةُ لا تُقاس بسرعة الوصول،
وإنما بسلامة الطريق وحسن المآل.
-
من اعتاد أن يُحاسب نفسه،
قلَّ أن تُرهقه محاكمةُ الأيام؛
فالبصيرةُ تسبق العثرة،
والضميرُ الصادقُ خيرُ دليل.
-
الحبُّ لا يُقاس بحرارة البدايات،
بل بثبات النهايات؛ فكلُّ قلبٍ يُجيدُ الاشتعال،
وليس كلُّ قلبٍ يُجيدُ البقاء.
-
الحبُّ لا يَخذلُ أحدًا؛
إنما يخذله من ظنَّ أن الوعدَ يغني عن الوفاء،
وأن القربَ يُغني عن الاحتواء.
-
إذا أحببتَ،
فلا تُرهق قلبَك بطلب الكمال؛
فالحبُّ يزدهر بالصدق،
ويذبل بكثرة الامتحان.
-
الحبُّ الحقيقيُّ لا يُكثر الضجيج؛
بل يُحسن الحضور، ويُتقن الثبات،
ويترك في الروح سكينةً لا تُشترى.
-
ما الحب؟
أكاد أظن أن الإنسان هو الذي سمّى كلَّ ميلٍ حبًّا،
أما السماء فكانت أدقَّ من أن تمنحه هذا الاتساع.
فالحبُّ لفظةٌ تتسع حتى يضيق بها معناها؛
يدخلها الهوى، وتجاورها الشهوة، ويختبئ خلفها التملك،
ثم يخرج الناس يظنون أنهم تكلموا عن حقيقةٍ واحدة،
وما اجتمعوا إلا على حروفها.
ولعل لهذا لم يجعل القرآن الحبَّ عنوانًا للعلاقة التي يُراد لها البقاء؛
لأن البقاء لا تؤسسه العاطفة، وإنما تؤسسه المودة،
ولا تحرسه الرغبة، وإنما تحرسه الرحمة. أما الحب إذا تُرك لذاته،
فقد يبلغ بالقلب أن يُستلب،
كما استُلب قلب امرأة العزيز: ï´؟قد شغفها حبًّاï´¾.
ومن هنا أفهم أن الحب ليس منزلةً، بل امتحان؛
فإما أن يرتقي حتى يصير مودةً تحفظ، ورحمةً تغفر،
وميثاقًا يبقى... وإما أن يظل اسمًا جميلًا يردده الناس،
بينما حقيقته لم تغادر أول الطريق.
ولعل أعظم قصص الحب ليست تلك التي امتلأت بالغزل،
بل تلك التي امتلأت بالوفاء؛ فالقلوب لا يخلدها ما قالت،
وإنما ما حفظت.
-
-
لعلَّ من بصائرِ القدر...
أن يجعلَ محافلَ اللقاءِ تُقامُ على ضجيجِ الانتظار،
وتُنسَجَ أهازيجُ الحضورِ من لفيفِ الاشتياق؛
فما كان الوصولُ وليدَ الطريق، بل ثمرةَ صبرٍ طال،
وشوقٍ استطال، حتى إذا التأمتِ الأرواحُ،
أيقنت أن للغيابِ حكمةً لا يُفصحُ عنها إلا اللقاء.
-
نختصرُ المسافةَ بحرفٍ مُبهم،
يعجزُ عنه عقلُ المتغافل لا لقصورِ الفهم، بل لتمرّدِ القصد؛
وربما أدرك المعنى كلَّه، غيرَ أنَّه آثرَ الصمت،
فإنَّ بعضَ الحقائقِ لا يُكلِّفُ نطقُها لسانًا، بل يُكلِّفُ صاحبَها موقفًا.
-
مساء الخير ...لقلوب المارين باقات ورد
-
في هذه الحياة قد تصادف الفشل ..قد يحملك اليأس للتراجع ونبذ الاقدار لكن الفطن هو من يدرك ان الفشل محطة لشحذ النفس لتقف من جديد وتواصل السير تجربة لتجعلك أقوى لتواجه الحياة لتختبر صبرك وارادتك
لتقوي ذاتك وتبعد الياس من قانون دربك ...مثل هذه التجارب وجب أن تسمى مطب وليس فشل اما ان تتجاوزه بخفه وتمضي واما ان تندب حالك وتبقى في مكانك ...فاختر طريقك وكن فطن ...
-
من محاذير القُرب...
طالاندفاعُ حول محطّات الوقوف ،
فكم في الزِّحام من عثار،
وكم في التهافت من انكسار،
وكم من ملهوفٍ أضاع وجهته،
وهو يظن أن سرعة الوصول تُغنيه
عن سلامة المسير.
-
لديك وجهةٌ واحدة...
وما دونها ظِلُّ وَهْم، وسرابُ فَهْم؛
فامضِ إليها بقلبٍ لا يلتفت،
فإن كثرةَ الالتفات تُضلُّ المسير،
وكثرةَ التردُّد تُطفئ البصير.
-
-
من لطائفِ القدرِ، ورودُ الوصالِ بعدَ انقطاعٍ،
وحبلُ الودِّ ملفوفٌ على ساعدِ الحرصِ؛
فما صانَ المودَّةَ مثلُ العناية،
ولا أعادَ الغائبَ إلى القلوبِ مثلُ صدقِ الوفاءِ.
-
ليس كلُّ عائدٍ يُسمّى وصالًا،
فالوصالُ ما عاد بعد امتحان،
وما ثبت بعد دوران الزمان،
وما حفظته القلوب قبل أن تحفظه الألسن.
فإن للقدر طرائقَ لا يفهمها المستعجل،
يقطع الحبال ليختبر المتعلّق، ثم يعيدها أوثق مما كانت،
إذا وجد في النفوس صدقًا، وفي الودِّ حرصًا.
-
إذا احتاجت المحبة إلى برهانٍ كل يوم،
فقد فقدت أول أركانها؛ إذ اليقين روحها،
والشكُّ أول أفولها.
-
-
لعلَّ من مجازر الذاكرة أن يبقى المرء أسيرَ النظر إلى الخلف،
يقتات على بقايا الذكرى، ويُقيم في أطلالها، وفيها من المآسي ما أوجع،
ومن العثرات ما أضنى.
وكان حريًّا بنا أن نجتثَّ ذلك الماضي من وجه أرض حياتنا،
لا جحودًا له، بل لأننا تجاوزناه، وتعلَّمنا منه، وأصلحنا ما أفسده،
فلا يُعقل أن يعود الأمس حاكمًا على حاضرٍ أعاد الله بناءه.