-
حين تهاوتْ أقنعةُ الزيفِ من حولي،
لم تغضبِ الروح، بل أنفاسُها لانَت؛
كأنّ الحقيقةَ جاءت تمسحُ على قلبي بيدٍ من نور.
فهمتُ أن الصدقَ لا يأتي ليجرح،
بل ليُرَبّي فينا طمأنينةً كانت تنتظر.
فالحقيقةُ—وإن بدتْ قاسيةً أولَ الوصل—
هي بابُ شفاء، ورفيقةُ طريقٍ لا تخون.
وما إن فتحتُ لها صدري، حتى شعرتُ
أن العالمَ اتّسع، وأنّ ما كنتُ أخشاه…
كان في الأصلِ نعمةً تتخفّى.
-
حين خالفتني دروبُ القدَر عمّا اشتهتهُ نفسي،
ظننتُها تُقصيني، فإذا بها تقودني.
ومع كلّ بابٍ أُغلِق،
كنتُ أسمعُ في قلبي همساً رقيقاً يقول:
ليس كلُّ ما ترغبُه خيرٌ لك،
ولكنّ ما يختارُه الله هو الخيرُ كلّه.
فتعلمتُ أن أُسلّم الخطوةَ لمن يرى من فوق الغيب،
وأن أطمئنّ لأنّ القدَر—وإن جارَ في العين—
عادِلٌ في الحكمة، وأنّ ما حُرِمتُه اليوم…
قد يكون أماناً خبّأه الله لغدٍ لا أعلمه.
-
حين التوتْ مساراتُ الحياةِ عن رغباتي،
أدركتُ أن القدَر لا يضلّ،
بل يهدينا بطرقٍ لا نفهمها أولَ الأمر.
فكم من حلمٍ رحل،
ليأتي بعده خيرٌ لم أتخيّله،
وكم من بابٍ أغلق، ليُفتح
في الروح نورٌ أوسع من الأبواب كلّها.
وهكذا فهمتُ أن اختيارَ الله ليس صرفاً للأمنيات،
بل صرفٌ عمّا يضرّ، وجذبٌ إلى ما يصلح.
ومن يومها صرتُ أسيرُ مطمئناً،
فمَن تولّى أمري هو الذي لا يُخطئ التدبير.
-
ما أغربَ عنادَ القلوبِ حين يعميها الغرور،
فتفقدُ من كان يقتربُ لها بخفةِ الروح وصدقِ النوايا.
والأعجبُ من ذلك أن يستغني المرءُ
ثم ينسجَ سوءَ ظنّه حول من أحبّه،
كأنّ الطيبةَ خديعة، وكأنّ التودّدَ شرك،
وكأنّ الاستماتةَ للبقاءِ ليست حبّاً بل بقايا امتنانٍ مُبتذَل.
وتمضي الأيام، فيدركُ ذاك المستغني—بعد فواتِ الوصل—
أنّ من ظنّه متلفّعاً بالخبث، كان أصدقَ ممّن احتفى بهم لاحقاً.
لكنّ العنادَ إذا اكتمل، أطفأ آخرَ شمعةٍ في دربِ القرب،
فلا يبقى إلا صدى الندم… يطرقُ باباً أغلقَه سوءُ الظنّ بيدٍ واحدة،
وفتحَته الخسارةُ بكلتا اليدين.
-
ها أنا في رصيفِ الانتظار، أُمسكُ بطرفِ الصبرِ كما يُمسكُ الغريقُ بخشبةِ النجاة؛
أفتحُ للآيبين بابًا، وأُبقي للراجعين عن الخطأ ضياءً لا ينطفئ مهما طال غيابُهم.
فما عادني إلّا الإحساسُ بأنَّ القلوبَ –وإن تاهت– تعرفُ طريقَ الرجوع،
وأنَّ الخطأَ –وإن جفا– يظلُّ يحملُ في جوفه بذرةَ الاعتذار.
يا من أثقلتكَ الزلّةُ، لا تخشَ العودة؛
فالليلُ، وإن طال، يهبُ فجرَهُ لمن يطرقُهُ بـ صدقٍ وانكسار،
والقلبُ، وإن جُرح، يظلُّ يخبّئُ في عمقِهِ متّسعًا لمن عاد أصوبَ ممّا كان.
إني هنا…
أُشيّعُ العتبَ في سجعٍ هادئ،
وأستقبلُك بصفحةٍ بيضاء،
فما أجملَ الرجوع حين يجيءُ من بوابةِ النية الطاهرة
وما أصدقَ الاعتذار حين يلامسُ روحَ الغفران.
-
ها أنا في ممرٍّ لا تُرى نهاياتُه،
أُصغي لخطواتٍ تقتربُ ثم تبتعد،
كأنها ظلٌّ يجرّ أسراره على أرضٍ لا تحفظُ الأثر.
أعرفُ أنَّ للخطأ دروبًا تبتلعُ أصحابَها،
وللرجوع بابًا لا يُفتحُ إلا لمن أدرك أنَّ الضوءَ
يُقيمُ أحيانًا خلف ستارٍ من ظلالٍ مرتجفة.
وأنا… لا ألوّحُ ولا أدعو،
أكتفي بأن أترك في العتمةِ ومضةً
قد يراها من قرّر أن يعود،
فيمشي نحوها بخطواتٍ نصفها ندم
ونصفها يقظةٌ متأخّرة.
فالعوداتُ الغامضةُ لا تحتاجُ استئذانًا،
وما بين الخطأ والصواب
مسافةٌ يسكنها الصمتُ وحده،
وفي الصمتِ يعرفُ الراجعون
أين تواري الأبواب المفتوحة.
-
اقتربْ إن شئت…
فالظلالُ هنا رحبة،
والغفرانُ يختبئ مثل طائرٍ خجول
لا يهبط إلا على كفٍّ جاءت من بعيد
تحمل شيئًا من الأسى
وشيئًا من النضج الجديد.