واضح بان له وجهان
حديث كاذب فتان
وسطر متلون مزدان
عرض للطباعة
واضح بان له وجهان
حديث كاذب فتان
وسطر متلون مزدان
وما أقساه من ألم ،
حين يكون من أحببتهم حاضرون في قلبك،
غائبون عن أيام عمرك؛
يحاولون الوصول إليك، ولو كان تحت وطأة المكابرة،
وأنت الذي كنت تستجديهم بالأمس؛
أما تكون السلامة في البعد ؟
إذا ما كان في القرب عودةُ الخلاف الذي لا يزول،
ولا يلبث أن يعود في الفور !
من باب النصيحة التي قد نحتاج إليها في هذه الحياة:
أن الباب الذي طرقته في المرة الأولى
لا تطرقه مرةً أخرى؛ لأن المودة لا يمكن
أن تخضع للمساومة.
فما تقول إذا ما كان الطرق قد تجاوز تلك المرة أضعافًا ؟
فما أورث إلا الندامة، ولا جلب إلا الملامة
كما اخبرتك دائما لا تشبهين القمر
ولست فتلة زهر بغصن شجر
ولست ذا ندرة كاحدى الدرر
قالت سأمقت من احضرك
ومن بينهم قد علمك
فالجهل مستواك وامثلك
فلست بذا نسب او جاه ليكون مسندك
قلت افعلي ماشئت لمن اجرك
فالله ركني الشديد واعوذ به من شر قد يهلكك
.....
في عالم المادية التي أزاحت كل معنى من عقل ذلك الإنسان،
باتت معطياته وأقواله وأفعاله رهينة التحليل والتقييم والحكم
لدى الطرف الآخر، ولم يعد له من معيار سوى إخضاع الأمور لمقصلة هوى النفس.
فاستحال الميزان ميلا، والمعيار ميلا،
وتحولت الحقيقة ظلا يتبدل بتبدل النظر،
لا أصلا يرجع إليه ولا يقينا يعول عليه؛
فكل رأي عنده صواب ما وافق رغبته،
وكل حكم عدل ما ساير شهوته،
حتى غدا أسير ذاته، يزن الكون بميزانه المختل،
ويقيس الوجود بمقياسه المعتل.
فإن غاب الثابت تاه الإدراك،
وإن ضاع الحق تفرق الاتفاق،
ولم يبق للإنسان إلا صدى نفسه يردده،
ووهم عقله يمجده؛ فيدور في فلكه لا يبرح،
ويظن أنه بلغ الحقيقة وهو عنها قد نزح.
عن ذلك العقل الذي هو مناط التكليف،
به نزن الأمور وبه نحاجج، ونميز به بين الخير والشر،
والصواب والخطأ؛ فهو أصله الفاصل والقاضي،
بعد تغذيته من معين الشرع الوافر.
يوم أن وجد في الوجود،
ولد على صفحة بيضاء، يخط فيها قلم التجارب،
وفي رأس ذلك القلم ممحاة يحتاج إليها فذ صادق واثق،
يمحو أثر حبره إذا ما زلت عن الحق قدمه،
ويتركه وقد خط رسمه بالتبر الفاخر.
"يُعتبر الصمت عند وقوع شيء ما مهم ضربًا من الكذب."
وقفتُ كثيرًا عند هذه الحكمة الفلسفية العميقة؛
فلأول وهلةٍ لمن يمر عليها يلتبس عليه الأمر،
ويكون تأويله لها وفق منطلقاته،
ووفق ما يسير عليه من قناعات.
ويطرق فكره حينها سؤال:
كيف يكون الصمت مُدانًا وتُلصق بصاحبه تهمة الكذب؟!
لأن التساؤلات حينها تتوافد، ومنها: ألا يكون في الصمت منجاة؟
ألا يكون عين العقل كي لا يتطور الأمر فيصل إلى ما لا يُحمد عقباه؟!
والناقد الحصيف يغوص في عمق المعنى ليستخلص مقصده ومعناه،
ليخرج بفائدة مفادها أن الساكت عن الحق شريك في الباطل؛
فبعض الصمت لا يُغتفر إن كان يُفضي بالمظلوم
إلى مقاصل العقاب بلا ذنبٍ مُرتكب.
وهناك سعة في غير هذا الموضع، حين يكون مجاملة،
أو يكون إعراضًا عن الخوض في معمعة الجهل الهالكة.
غير أن للصمت وجوهًا تتبدل، ومقاماتٍ تتفاضل؛
فصمتٌ عن الباطل إقرار، وصمتٌ عن السفه وقار،
وصمتٌ عن الجهل انتصار. فمن سكت حين وجب البيان خان،
ومن نطق حين وجب الإمساك أهان؛
وبين هذا وذاك ميزان دقيق لا يحسنه إلا من رقَّ طبعه،
وصفا فهمه، واستنار قلبه.
فإن الحق إذا استصرخ أهله وجب الجهر به،
وإن الباطل إذا تجبر لزم كسره،
ولا يُعذر امرؤ في كتمان نورٍ أُودع فيه،
ولا في طمس حقٍ تبيّن له؛ إذ السكوت حينئذٍ ليس حيادًا،
بل ميلٌ خفي، وانحيازٌ دفين.
فليزن المرء صمته قبل قوله، وليُعمل فكره قبل فعله؛
فإن الكلمة أمانة، كما أن السكوت شهادة،
ومن ضيّع الأمانة أو كتم الشهادة، تاه في دروب التبرير،
وغرق في لجج التقدير.
لا تجعل لسانك يسبق عقلك ،
فليس كل من تعلم الأحرف أتقن الكلام ،
فالجميع يكتب ، والقليل يقرأ ، والنادر يفهم .
( م )