مساء الخير ...
عرض للطباعة
مساء الخير ...
حين يعتريك القلب، تلوذ بالورق فرارًا،
فتُفرغ ما في القلب والعقل، ليغدو مدادًا،
وحمامةَ سلامٍ لمن صدق.
فما كان للهفةِ القلب،
أبقته السطور حيًّا،
وما ضاق به الصدر،
اتسعت له صفحةٌ بيضاء.
أُحادث نفسي فأجدها كالغريق، لا يطلب شاطئاً،
وإنما يطلب نفسًا آخر. أسألها: ما بالك؟
فتقول: مشي الحال.
فأبتسم؛ فما كانت هذه الكلمة يوماً جواباً،
وإنما كانت ستاراً يُسدل على مدينةٍ من الخراب.
ثم أسكت... لأن بعض الأرواح لا ينقصها الكلام،
وإنما ينقصها أن يرحمها الصمت.
وأقول لها:
يا نفس، لِمَ هذا الوهن؟ فتقول:
لأن البلاء إذا طال، لم يعد يوجع الجسد،
بل أخذ يقضم المعاني من القلب؛
حتى يغدو الصبر نفسه يحتاج إلى صبر،
ويصبح الرجاء يستجدي رجاءً آخر.
فأقول:
ويحكِ، إن الطريق إلى الله ليس مفروشاً باليقين دائماً،
بل قد تعترضه ليالٍ يختبر الله فيها يقين اليقين.
وما كان البلاء ليكسر المؤمن،
وإنما ليكسر فيه ذلك الوهم
الذي كان يظن أن النجاة تأتي من الأسباب،
حتى إذا سقطت الأسباب كلها،
لم يبق إلا مُسبِّب الأسباب.
ثم أتذكر أن السماء
لم تُعجِّل النصر حتى لصفوة خلقها.
لقد مضت بهم الأيام وهم يحملون الوعد في صدورهم،
ويحملون الألم على ظهورهم،
حتى إذا بلغ البلاء منتهاه،
وكأن الأرض ضاقت بما رحبت،
جاءهم أمر الله لا لأنه جاء متأخراً،
بل لأنه جاء في الموعد الذي لا يصلح له
إلا بعد أن ينفد كل شيء... إلا الثقة بالله.
ولعل أعظم الابتلاء ليس أن تتألم،
بل أن يطول بك الألم حتى تخشى
أن يكون قلبك قد نسي كيف ينتظر.
وهناك يبدأ الامتحان الحقيقي؛
إذ ليس الصبر أن تحتمل الوجع،
وإنما أن تحسن الظن بمن كتب الوجع.
فيا نفس، إن رأيتِ نفسك على حافة الانهيار،
فلا تظني أن الله دفعك إليها لتسقطي،
بل ربما ساقك إليها لتعلمي أن الذي يُمسك الساقط
قبل أن يقع، لا يحتاج إلا إلى قلبٍ ألقى عن نفسه
حوله وقوته، وقال: يا رب.
وما أكثر ما ظن الإنسان أن آخر الطريق قبرٌ لأحلامه،
فإذا هو أول الطريق إلى رحمةٍ لم يكن ليبلغها لو لم يذق مرارة المسير.
فليس كل تأخرٍ حرماناً، ولا كل صمتٍ إعراضاً،
ولا كل انكسارٍ هزيمة؛ فكم من قلبٍ لم يعرف الله
حق المعرفة إلا حين لم يبق له في الأرض أحد،
ولا شيء، إلا الله.
من مواطنِ اليأس... هناك يكون الانهيار.
أحيكُ فيها ثوبَ القنوط، وفي داخلي روحٌ تنوح،
وجسدٌ يتداعى إلى الأفول، وقبرٌ حفره معولُ اليأس،
لا يُرى له طولٌ ولا يُدرك له وصول.
وفي عالمي وهمٌ ينمو، وفي أحشاء واقعي ثكلى تنوح،
وأفتش عن عنوان الصبر، فلا يرشدني انكساري إلا إلى مقبرة الخلود،
ولا يدلني اضطرابي إلا على مزيدٍ من الشرود.
وفي أذني يصرخ سؤال:
إلى متى يطول هذا الوضع؟
وفي جوهر قلبي جوابٌ يثور، ويكتمه إخلاصُ جهلي،
ويطفئه استسلامُ عقلي، فأمضي كمن أدمن البلاء حتى ألفه،
وأدمن السقوط حتى استحسنه، فبات له قبول.
حتى أيقنت أني لن أنجو بنفسي،
وأن النجاة لا تكون مع الغرور،
بل بعد الأفول؛ أفول النفس عن وهمها،
وأفول القلب عن حوله وقوته.
ذاك منهجُ الساقط في درب الحياة؛
بها يعيش، وعليها يسير، وإليها يصير،
ثم يعود إلى اللحود، وما بدّل من حاله،
ولا غيّر من مآله.
حين يصادفكِ توقعي،
تتبدل الصورة التي طالما اجتهدتِ في إخفائها عني،
وكأنكم تتمسحون بالماضي، تيمُّنًا بأن تغادروا بذلك بابي،
وتطووا من الذاكرة كتابي.
عبثًا تحاولونني؛ فأنا الذي شققت لكم في داخلي قناةً،
وأجريت لكم من الود نهرًا، وفتحت لكم من القلب بابًا،
فما كان منكم إلا أن أوصدتم الأبواب، وتمسكتم بسراب.
ترودني خطواتي، وتكسر عصا ثباتي،
وفي نقطة العودة تُشلُّ حركاتي.
وفي طنين الهواجس أجد قبري،
وفي حضن اللقاء تُبعث حياتي.
أبعد هذا الخبال تجدون تناقضًا؟
كحالي وقد وقفتُ على تلة أوهامي،
بين أن أكون... ولأدري أين أكون،
وقفتُ كأنني من أهل الأعراف انتسبتُ،
فلا أنا إلى أرض الوصول وصلتُ،
ولا عن درب الرحيل انصرفتُ.
وفي الحقيقة... أضعتُ أناتي،
وضيّعت بين خوفي ورجائي جهاتي،
فصرتُ أمشي إلى نفسي بخطواتٍ تردّني،
وأهرب من ظلي، وظلي في إثر خطواتي.
على وَفاقِ المصطلح،
تُروَّضُ جِماحُ الكلمةِ كي لا تنفذَ إلى قلبِ المتلقّي
فتأخذه إلى أعماقِ المعنى؛ فهي صِمامُ أمانٍ للإنسان،
وحِصنٌ يحميه.
فكم من صريعٍ أضناهُ سيفُ الرَّيبِ ،
فحَزَّ من عُمره ما لا يُستعاد.