ليس كلُّ ما يتأخر ضياعًا،
ولا كلُّ ما يتعجّل نوالًا؛
فالحكمةُ لا تُقاس بسرعة الوصول،
وإنما بسلامة الطريق وحسن المآل.
عرض للطباعة
ليس كلُّ ما يتأخر ضياعًا،
ولا كلُّ ما يتعجّل نوالًا؛
فالحكمةُ لا تُقاس بسرعة الوصول،
وإنما بسلامة الطريق وحسن المآل.
من اعتاد أن يُحاسب نفسه،
قلَّ أن تُرهقه محاكمةُ الأيام؛
فالبصيرةُ تسبق العثرة،
والضميرُ الصادقُ خيرُ دليل.
الحبُّ لا يُقاس بحرارة البدايات،
بل بثبات النهايات؛ فكلُّ قلبٍ يُجيدُ الاشتعال،
وليس كلُّ قلبٍ يُجيدُ البقاء.
الحبُّ لا يَخذلُ أحدًا؛
إنما يخذله من ظنَّ أن الوعدَ يغني عن الوفاء،
وأن القربَ يُغني عن الاحتواء.
إذا أحببتَ،
فلا تُرهق قلبَك بطلب الكمال؛
فالحبُّ يزدهر بالصدق،
ويذبل بكثرة الامتحان.
الحبُّ الحقيقيُّ لا يُكثر الضجيج؛
بل يُحسن الحضور، ويُتقن الثبات،
ويترك في الروح سكينةً لا تُشترى.
ما الحب؟
أكاد أظن أن الإنسان هو الذي سمّى كلَّ ميلٍ حبًّا،
أما السماء فكانت أدقَّ من أن تمنحه هذا الاتساع.
فالحبُّ لفظةٌ تتسع حتى يضيق بها معناها؛
يدخلها الهوى، وتجاورها الشهوة، ويختبئ خلفها التملك،
ثم يخرج الناس يظنون أنهم تكلموا عن حقيقةٍ واحدة،
وما اجتمعوا إلا على حروفها.
ولعل لهذا لم يجعل القرآن الحبَّ عنوانًا للعلاقة التي يُراد لها البقاء؛
لأن البقاء لا تؤسسه العاطفة، وإنما تؤسسه المودة،
ولا تحرسه الرغبة، وإنما تحرسه الرحمة. أما الحب إذا تُرك لذاته،
فقد يبلغ بالقلب أن يُستلب،
كما استُلب قلب امرأة العزيز: ï´؟قد شغفها حبًّاï´¾.
ومن هنا أفهم أن الحب ليس منزلةً، بل امتحان؛
فإما أن يرتقي حتى يصير مودةً تحفظ، ورحمةً تغفر،
وميثاقًا يبقى... وإما أن يظل اسمًا جميلًا يردده الناس،
بينما حقيقته لم تغادر أول الطريق.
ولعل أعظم قصص الحب ليست تلك التي امتلأت بالغزل،
بل تلك التي امتلأت بالوفاء؛ فالقلوب لا يخلدها ما قالت،
وإنما ما حفظت.
مساء الخير ...
لعلَّ من بصائرِ القدر...
أن يجعلَ محافلَ اللقاءِ تُقامُ على ضجيجِ الانتظار،
وتُنسَجَ أهازيجُ الحضورِ من لفيفِ الاشتياق؛
فما كان الوصولُ وليدَ الطريق، بل ثمرةَ صبرٍ طال،
وشوقٍ استطال، حتى إذا التأمتِ الأرواحُ،
أيقنت أن للغيابِ حكمةً لا يُفصحُ عنها إلا اللقاء.
نختصرُ المسافةَ بحرفٍ مُبهم،
يعجزُ عنه عقلُ المتغافل لا لقصورِ الفهم، بل لتمرّدِ القصد؛
وربما أدرك المعنى كلَّه، غيرَ أنَّه آثرَ الصمت،
فإنَّ بعضَ الحقائقِ لا يُكلِّفُ نطقُها لسانًا، بل يُكلِّفُ صاحبَها موقفًا.