في أوساط من نُخالطهم ونحن على يقينٍ أنهم يحملون لنا حقدًا دفينًا، وهو ما يكشفه سوء تعاملهم وتصرّفاتهم،
يبدو الأمر مُرهقًا، لا سيما حين يكون التعامل معهم فرضًا تُمليه طبيعة العمل، أو مشاركةً في نشاطٍ استدعتها الحاجة.
ومن تعمّق في أحوالهم، وسعى إلى تتبّع جذور مشكلاتهم، كاد أن يفقد في أغوارها حقيقته؛ فذلك الحاقد لا يعيش في حقيقة أصلك، بل يعيش في الصورة المشوّهة التي رسمها لك في نفسه. ولعلّ أصل الصراع ليس إلا انعكاسًا لما يعتصره من ألمٍ أو نقصٍ لا أساس له في الواقع، فاتخذ منك مسرحًا لوهمه ومتنفّسًا لما يختلج في صدره.
وكم أغبط من يُحسن إدارة دفّة التعامل مع أولئك المرضى، الذين يُغلقون أبواب الودّ كلما دنا منهم أحدٌ لإصلاح ما فسد، أو لتحسين سبل التواصل.
ومن يُدير تلك المعركة بحنكةٍ وذكاءٍ يجد فيها فرصةً لاختبار معدنه ومعرفة حقيقة نفسه، لا أن يجنح إلى تبرير أفعاله وأقواله لذلك المتطفّل على راحته، فيقع أسيرًا لأحكامه ونظرته. فالعاقل لا يُقيم وزناً لكل ما يُقال فيه، ولا يجعل من نفسه ساحةً لصراعات الآخرين.
وما يزيد الأمر وضوحًا أن بعض النفوس لا تبحث عن الحقيقة بقدر ما تبحث عمّا يُوافق ما استقرّ في صدرها من ظنون. فإن أحسنتَ إليها التمست في إحسانك غايةً خفيّة، وإن ابتعدتَ عنها جعلت من ابتعادك ذريعةً لاتهامك. فهي لا ترى الأشياء على حقيقتها، بل من خلال ما تراكم في داخلها من أوهامٍ وضغائن. ومن هنا كان الاشتغال بإرضائها ضربًا من العبث، والسعي إلى تصحيح صورتك عندها استنزافًا لوقتٍ لا يعود وعمرٍ لا يُعوَّض.
ولعلّ من تمام الحكمة أن يُدرك المرء أن صفاء النفس نعمةٌ لا تُشترى، وأن السلام الداخلي أثمن من أن يُبدّده في معارك لا غاية لها. فليس كل بابٍ مُغلقٍ جديرًا بالطرق، ولا كل خصومةٍ تستحق أن يُستنزف لها القلب والفكر. وما دام المرء مستقيم السريرة، واضح المقصد، فإن خير ما يفعله أن يمضي في طريقه، تاركًا لكل نفسٍ ما اختارت أن تحمله في صدرها.
فالحصيف من أبعد نفسه عن تلك الترهات التي تستنزف وقته، وتُرهق صحته، وتسرق من روحه سكينتها، وآثر أن يمضي في طريقه ثابتًا، غير ملتفتٍ إلى ضجيج النفوس التي أنهكها ما تحمل في صدورها.