بالرغم من المسافة التي يقطعها الواحد منا في سيارته، وهو قاصدٌ مكانًا ما،
إلا أنه يعيش طوال تلك المسافة بين ماضٍ فات، ومستقبلٍ آتٍ،
أما الحاضر فقلَّما يُطل برأسه على واقع الحال،
وكأننا نعيش بين هذين الزمانين.


ولعل الحاضر هو الزمن الوحيد الذي نملك حقَّ العيش فيه،
غير أننا نظلمه كثيرًا؛ إذ نغادره إلى ماضٍ نستعيد تفاصيله،
أو نسبقه إلى مستقبلٍ نستعجل أحداثه. فإذا انقضى الحاضر،
التفتنا إليه متحسرين، بعدما أصبح ماضيًا جديدًا نضيفه إلى سجل الندم.


وهكذا تمضي الأعمار، لا لأن الأيام قصيرة،
وإنما لأننا لم نعشها حين كانت بين أيدينا.


والمصيبة تكمن حين نستجلب الماضي والمستقبل،
لا بقصد المحاكمة والتقويم، وإنما من أجل جلد الذات على أطلال الماضي،
أو رسم صورةٍ لمستقبلٍ نلوِّنه بلون الماضي، فنحكم عليه قبل أن يولد،
ونرهقه بما لم يقع بعد.


ولو أننا جعلنا من الماضي معلِّمًا لا سجنًا،
ومن المستقبل دافعًا لا هاجسًا،
لأصبح الحاضر أكثر سكينةً واتزانًا،
ولأدركنا أن الحياة لا تُعاش إلا في لحظتها،
وأن أثمن ما نملكه هو هذا الوقت الذي بين أيدينا،
لا ذاك الذي مضى، ولا الذي لم يأتِ بعد.


وأعلم يقينًا بأن ما يتسرَّب منا، ويفيض به البنان،
هي نُسخٌ مكررة، ولكننا لا نكررها من أجل نفاد مخزون المواضيع،
وإنما يكون فيها التذكير؛ فحالنا كحال ما يرد إلينا من كتاب الله،
حيث تتكرر القصة، وتتغير بعض صيغها، والقصد من ذلك التأكيد
على ضرورة الوقوف عندها،
واستخلاص العظة منها.


وما استشهادنا بالقرآن الكريم إلا لأنه دستورنا في هذه الحياة،
نستضيء به كلما تشعَّبت بنا الطرق، ونعود إليه كلما ازدحمت في صدورنا الأسئلة،
ففيه من الهداية ما يُقيم الفكر، ويبعث في النفس الطمأنينة.


فالحياة تحتاج منا أن نسير في طريقها بعقلٍ واعٍ،
فلا يحملنا الماضي على القعود،
ولا يسوقنا المستقبل إلى القلق،
وإنما نمنح الحاضر حقَّه من الاهتمام؛
ففيه تُصنع القرارات، وتُغرس البدايات،
وتُكتب النهايات. عندها فقط نتجاوز الصعاب،
ويطمئن الجَنان.