رضي الله عنه قال : كان الفضل ابن عباس رضي الله عنهما رديف رسول الله ، فجاءت امرأة من خثعم فجعل الفضل يـنظر إليها وتنظر إليه ، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل إلى الشـــق الآخر، فقالت : يا رسول الله ، إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخــاً كبيراً لا يثبت على الراحلــة ، أفــأحج عنــه ؟ قال : « نعم » . وذلك في حـجــة الــوداع . متفق عليه .

قال الإمام البخاري رحـمه الله : حدثنا عبد الله بن يوسف قال : أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن سليمان بن يسار عن ابن عباس به .
وقال الإمام مسلم رحـمه الله : حدثنا يحيى بن يحيى قال : قرأت على مالك عن ابن شهاب به . ورواه أحـمد ومالك وأهل السنن وابن الجارود في المنتقى .
وقد جاء في بعض طرق الحديث صفة الـمرأة وأنها وضيئة . ولا أظن أن هذه اللفظة تثبت ، فأكثر الطرق خالية منها .


* والحديث فيه فوائــد :
1


ـ فيه جواز الإرداف على الدابة : وهذا محمول عند أهل العلم إذا كانت مطيقة ، أما إذا كانت الدابة غير مطيقة فلا يجوز الإرداف عليها ، لأن هذا تعذيب لـها ، وقد أمرنا الله تعالى بالإحسان حتى إلى البهائم .


2 ـ وفيه جواز استفتاء الـمرأة للرجل : لأن هذه الـمرأة الخثعمية استفتت النبي صلى الله عليه وسلم وكانت شابة ، وخثعم قبيلة ترجع إلى قحطان مساكنهم بين الطائف وأبها .


وقد احتج بهذا الحديث بعض فقهاء الشافعية على عدم وجوب تغطية الـمرأة وجهها ، وفي هذا نظر لأننا لو سلمنا بهذا الدليل وبهذا الاستنباط لكان هذا خاصاً بالحج فقد قال بعض الفقهاء : إحرام الـمرأة بوجهها ، ولذلك يقول فقهاء الحنابلة : يجب على الـمرأة أن تكشف عن وجهها بالإحرام إلا بحضرة أجنبي ، وفي هذا نظر أيضاً . والحق في هذه القضية أن الـمرأة يجب عليها ستر وجهها بحضرة الأجانب سواء كانت محرمة أم غير محرمة ، وإذا لم يكن ثم أجنبي فالحق أنها غير ملزمة في الكشف عن وجهها لأن هذا يحتاج إلى دليل . والقول بأن إحرام الـمرأة في وجهها لا دليل عليه ، والوارد بذلك خبر منكر لا يحتج به.


فإن قال قائل : لفظ الحديث : [ فجعل الفضل يـنظر إليها وتنظر إليه ] :
فنقول إن نظرها إليه ظاهر ، وأما نظره إليها فينظر إلى هيكلها وإلى جسمها وربما يكون جسمها ملفتاً للنظر كأن تكون طويلة ونحو ذلك ، وليس في الحديث أنها كانت كاشفة عن وجهها ، وما جاء في بعض الطرق أنها (وضيئة) فلا أظنها تثبت ، والظاهر أنها شاذة .


3 ـ وفي الحـديث أنه يحرم على الرجل أن يصعد نظره بالمرأة وإن كانت محتجبة : لأن النبي صلى الله عليه وسلم صرف وجه الفضل لان النظر إلى الـمـرأة وإن كانت محتجبــة سهم من سهام إبليــس ، ولأن الـمـرأة فـتـنـة كما قال رسـول الله: « الـمرأة عورة ، إذا خرجت استشرفها الشيطان » ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم والحديث في الصحيحين : « وما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء » .


4 ـ وفيه أن الشيخ الكبير الطاعن في السن لا يجب عليه الحج : ولكن ينوب من يحج عنه .

5 ـ وفيه أيضاً أن الذي لا يستطيع الثبوت على الراحلة يسقط عنه الحج.

6 ـ وفيه جواز حج الـمرأة عن الرجل : لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أقر الـمـرأة أن تحج عن أبيها ولكن يجب عند الجمهور أن تحج أولاً عن نفسهـا ثم تحج عن أبيها.

7 ـ وفيه إذنه صلى الله عليه وسلم أن تحج الـمـرأة عن أبيها : وكان هذا الإذن في حجة الوداع فربما يحتج بهذا على أنه لا يلزم من كون المرء إذا أراد أن يحج عن غيره أن يبدأ بنفسه أولاً ، ولكن جاء عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يقول : لبيك عن شبرمة ، قال : « من شبرمة ؟ » قال : أخ لي ، أو قريــب لي ، فقال : « حججـت عن نفسك ؟ » ، قال : لا ، قال : « حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة » .

ولـكن هذا الخبر أعله أحـمد ورجح رحـمه الله وقفه ، وسوف يمر بنا إن شاء الله . فيمكن أن يُجاب عن حديث الخثعمية فيقال : إن النبي صلى الله عليه وسلم أذِن لـها أن تحج عن أبيها إذا حجت عن نفسها ، فلا يلزم من سؤالها أن تنفذ الأمر بالحال .

8 ـ وفيه جواز الحج عن الحي غير القادر : وقد قال بعض الفقهاء : يجوز هذا بالنفل والفرض ، والصحيح أن هذا لا يجوز عن الحي إلا إذا كان غير قادر على الفرض لأن الحي يستطيع أن يعمل يوتقرب إلى الله بما شاء من الطاعات، فلذلك لا يحج عنه .


670- وعنه رضي الله عنه ، أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : إن أمي نذرت أن تحج ، فلم تحج حتى ماتت ، أفــأحج عنها ؟ قال : « نعم ، حجي عنها ، أرأيت لو كان على أمك دين ، أكنت قاضيتـه ؟ اقضوا الله ، فالله أحق بالوفاء » . رواه البخاري .

قال الإمام البخاري رحـمه الله : حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس به .
ورواه أحـمد والشافعي والنسائي وأبو داود الطيالسي وصححه ابن خزيمة من طرق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس به .
قولها : [ إن أمي نذرت ] :
النذر هو : إلزام المكلف نفسه بعبادة أو بأمر ما لم يوجبه عليه الشارع ، فإن كان هذا النذر نذر طاعة والطاعة أعم من أن تكون واجبة أو مستحبة فيجــب الوفاء، لحديث القاسم عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « من نذر أن يطيع الله فليطعه ، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه ». رواه البخاري في صحيحه.


فأيما إنسان نذر نذر طاعة فيجب الوفاء بهذا النذر ، وأما نذر المعصية فيحرم الوفاء به قولاً واحداً للعلماء ، وإنما اختلفوا هل في ذلك كفارة أم لا ؟ . والحق في هذا وجوب كفارة اليمين ، لعموم خبر عقبة في صحيح الإمام مسلم : « كفارة النذر كفارة يمين » . وهذا يشمل نذر الطاعة ونذر المعصية والله أعلم.


وفي الحديث إشكال ، فإن الحج قد فرض على القول الراجح في السنة التاسعة فكيف تنذر أن تحج والحج فرض عليها فيمكن الإجابة عن هذا أن يقال: لعل هذه الـمـرأة حجت في السنة التاسعة ونذرت أن تحج في السنة العاشرة مع النبي صلى الله عليه وسلم وإلا فلو لم تحج في السنة التاسعة فالحج فريضة عليها ، فيمكن أن يقال هذا القول يؤيده أن تحج على التراخي ، فلعلها نذرت أن تحج في السنة العاشرة وعينت السنة فماتت قبل أن تحج .


مسألة : ما حكم النذر ؟
فيه ثلاثة مذاهب لأهل العلم :
المذهب الأول : أنه مكروه ، لقوله ( : « إنه لا يأتي بخير لكنه يستخرج به من البخيل » .
وهذا القول هو المشهور عند أكثر أهل العلم .

المذهب الثاني : أن النذر محرم وإليه أشار شيخ الإسلام ابن تيمية رحـمه الله.

المذهب الثالث : أن من قوي على الوفـاء بالنذر فالنذر عبادة ويكون مشروعاً حينئذٍ ، قال تعالى : {وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ } . وقـال تعالى : { يُوفُونَ بِالنَّذْرِ} . فقد أثنى الله عليهم في كونهم يوفون بالنذر فلو لم يكن النذر عبادة ما أثنى الله عليهم بذلك .

وأما قوله : « إنه لا يأتي بخير » . فإن المعني أن النذر إذا بذله المرء فربما لا يعود بالخير على صاحبه لأنه قد لا يطيقه ولا ينفذه أو يتكاسل عنه فيأثم وأما من علم من نفسه الوفاء بالنذر فالنذر في حقه عبادة ولأنه لا يمكن أيضاً أن يكون النذر محرماً على قول أو مكروهاً على القول الثاني ثم إذا وفّى به صار عبادة وإذا صرفه لغير الله صار شركاً ، هذا لا يمكن أن يقال به فإذا كان النذر مكروهاً فلماذا يفي به . فلذلك القول الراجح التفصيل بالنذر فإذا علم من نفسه قوة على الوفاء به فالنذر عبادة يشرع له أن ينذر ، قال تعالى : { وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ } . وإن كان يعلم من نفسه عدم القدرة أو الضعف أو غير ذلك من الأشياء التي تمنعه من الوفاء بالنذر فالنذر حينئذٍ مكروه ، وهذا نظير الحلف ، والله تعالى يقول : { وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ } ، أي لا تحلفوا لئلا تحنثوا . ومع هذا حفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حلف من غير استحلاف بأكثر من ثمانين موضعاً ، ونظير هذا قوله : « لا تتمنوا لقاء العدو » ، مع قوله في مسلم : « ومن مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق ».


فالمعنى من قوله : « لا تتمنوا لقاء العدو » ، هذا مَنْ علم من نفسه الضعف خوفاً من أن لا يثبت فيبوء بالإثم والخسران ، وأما مَنْ علم من نفسه قوة فتمنى لقاء العدو مشروع ، فقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يتمنون هذا وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرغبهـم بهذا ، والأخبار بهذا متواترة ، ومـن دعـاء المؤمنين في الجمعة وغـيرهــا : ( اللهم أقم علم الجهاد ) وهذا لا مانع منه لـمن علم من نفسه قوة وثباتاً وصبراً ، فقد قال أحد الشعراء وهو الخارجي الفجاءة التميمي :
فصبراً في مجال الموت صبراً *** فما نيل الخلود بمستطاع
قولها : [ أفأحج عنها ؟ ] :
في هذه اللفظة دليل على أنه متقرر عند الصحابة أن العبادات مبناها على التوقيف وإلا لفعلت بدون سؤال ، وكون العبادات توقيفية فهذا مما لا نزاع فيه بالجملة بين أهل العلم .
قوله : « نعم » :


أي حجي عن أمك ، وهذا الحديث عام وهو مقيد عند أهل العلم فيما لو حج المرء عن نفسه ، لأنه لا يشرع للمسلم أن يحج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه ، لأنه لا يدري ماذا يعرض له ، وقد أجمع العلماء رحـمهم الله على انه لا يحج عن نفسه وعن غيره في وقت واحد فلا بد أن تقع الحجة عن أحدهما فإن كان لم يحج عن نفسه وأراد في هذه الحجة عن غيره وقعت الحجة عن نفسه .
وفيه دليل على حج الـمـرأة عن المرأة’ كما أنه يجوز أن تحج الـمـرأة عن الرجل والرجل عن الـمرأة كما هو قول الأئمة الأربعة ، ولكن هل هذا على وجه الإيجاب أم على وجه الاستحباب ؟ . تقدم عندنا أن مَـنْ نذر نذر طاعة وجب عليه الوفاء بذلك ، فإذا توفي المرء وقد نذر أن يحج وجب أن يحج عنه من ماله فإن لم يخلف مالاً استحب لأوليائه أن يحجوا عنه ، وقد ذهب بعض أهل العلم على إيجاب هذا لقوله : « نعم حجي عنها » ، وهذا أمر والأمر يقتضي الإيجاب . وفي هذا نظر من وجهين : -

الوجه الأول : أن الأمر إذا كان عن سؤال لا يكون للإيجاب .

الوجه الثاني : أن الله تـعـالى يـقول : { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} . أينذر أخي ويجب علـيَّ الوفاء !! ، هذا غير صحيح .


والحق بهذا أنه يستحب الوفاء بهذا النذر ويجب إذا خلف مالاً أن يحج عنه من ماله ، ولكن ربما يقال بالإيجاب من وجه آخر ، وذلك من باب البر بالوالدين ولكن حينئذٍ يكون الأمر خاصاً بالوالدين والإيجاب خاصاً بهما لا بغيرهما ، وهذا وجيه فإن البر بالوالدين واجب سواء كان بحياتهما أو بعد موتهما .
قوله: « أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته ؟ » :


فيه دليل على جواز القياس ، وبهذا قال الأئمة الأربعة وهذا نظير قوله : « وفي بضع أحدكم صدقة » ، قالوا : يا رسول الله أيأتي أحدنا شهـوته ويكون له فيها أجر ؟! ، فقال : « أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه إثم ؟ فكذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر » . رواه مسلم في صحيحه عن أبي ذر رضي الله عنه.

وأهل العلم والفقه والنظر لا يصححون كل قياس ، إنما لـهم بذلك ضوابط وقيود ، أما الإمام ابن حزم رحـمه الله تعالى فلا يرى القياس مطلقاً ، وهو قول الظاهرية قاطبة ، ويستدلون بقوله تعالى : { مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ } . وبقوله : « وما سكتُّ عنه فهو عفو فاقبلوا من الله عافيته » . رواه الحاكم وغيره بإسناد صحيح ، وجاء من حديث مكحولاً عن ابي ثعلبة الخشني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « وسكتُّ عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها » وفيه انقطاع فإن مكحول لم يدرك أبا ثعلبة ، والحجة في هذا مع جمهور أهل العلم فإلحاق النظير بالنظير أمر مشهور في عهد الصحابة رضي الله عنهم ، وقد ثبت القياس بأدلة كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، كما وضح هذا الإمام العلامة ابن القيم رحـمه الله في ( إعلام الموقعين ) ، وللشنقيطي رسالة في هذا تعقب فيها أهل الظاهر وهي مطبوعة في آخر مذكرته فلتراجع .


قوله : « اقضوا الله ، فالله أحق بالوفاء » :
الأمر هنا للإيجاب إذا كان من مال الميت وإلا الاستحباب على التفصيل السابق.
وفيه دليل على أن وفاء حق الخالق اولى من حق المخلوق إلا أن جماعة من الفقهاء يقولون: إن حق المخلوق مبني على الـمُشاحة وحق الخالق مبني على المسامحة. وهذا صحيح ولكل قول وجهه .
وفي الحديث دليل على جواز مخاطبة الـمرأة الأجنبية للرجل عند الحاجة ، وهذا مقيد بـما إذا أمنت الفتنة ولم تخضع بالقول لقوله تعالى : { فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ} .


671- وعنه رضي الله عنه قال : قال رسول الله: « أيما صبي حج ، ثم بلغ الحنث ، فعليه أن يحج حجة أخرى ، وأيما عبد حج ثم أعتق ، فـعليـه أن يحج حجـة أخرى » .
هذا الخبر جاء من طريق شعبة عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم به .
قال الإمام البيهقي رحـمه الله : ورواه سفيان الثوري عن الأعمش فأوقفه . وهذا هو المحفوظ عند أكثر أهل العلم ، لأن سفيان الثوري مقدم على شعبة . يقول الإمام يحيى بن سعيـد القطان رحـمه الله : ليس عندى أحد أحب إلي من شعبة ولا يعدله عندي أحد ، وإذا اختلـف شعبـة وسفيان أخذت بقول سفيان . وقال الإمام أبو داود رحـمه الله : ليس يكاد يفترق شعبة وسفيان إلا وظفر به سفيان وقد خالفه بأكثر من خمسين حديثاً والقول قول سفيان .

وقد جاء هذا الخبر عند الإمام ابن أبي شيبة رحـمه الله بـما يفيد أن له حكم المرفوع ، وقال رحـمه الله : أنبأنا أبو معاوية قال : أخبرنا الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : " احفظوا عني ولا تقولوا قال ابن عباس ... " فذكره . وإسناده صحيح . وأبو معاوية محمد بن خازم الضرير من أوثق الناس بالأعمش ، ومن ثم أورد الشيخان روايته عن الأعمش في الصحيحين .
وقوله : [ احفظوا عنّـي ولا تقولوا : قال ابن عباس ] :
في هذا إشارة إلى أنه ليس من كلام ابن عباس إنما هو من كلام النبي صلى الله عليه وسلم .
قوله : « أيما صبي حج » :

الـ ( ما ) هنا : زائدة ، و ( أي ) مضاف ، و ( صبي ) مضاف إليه ، والمراد بالصبي هنا الذي لم يبلغ ، فلا مانع حينئذٍ من إطلاق لفظة الصبي على كل من لم يبلغ ، كما يطلق عليه لفظ الغلام علماً أن لفظ الغلام يجوز إطلاقه على الكبير كما جاء عن علـي رضي الله عنه أنه قال يوم قتاله الخوارج : " أنا الغلام القرشي المؤتمن أبو الحسين فاعلمن والحسن " .

وهذا الخبر يدل على صحة حج الصـبي ، ولـكن هـل يـجزؤه عن حجة الإسلام أم لا ؟ . دل هذا الخبر أن هذا الحج لا يجزؤه عن حجة الإسلام وهو قول الأئمة الأربعة وجماهير العلماء سلفاً وخلفاً ، وقد ذكر الإمام الطحاوي رحـمه الله في شرح معاني الآثار عن قوم أنهم قالوا : يجزؤه ، ثم ضعف هذا ورجح عدم الإجزاء.

وخبر الباب يشهد لقول الطحاوي وجماهير العلماء ، ولكن لو يبلغ الصبي بعرفات أجزأه حجه عن حجة الإسلام لقوله : « الحج عرفة » .
قوله : « وأيما عبد حج ثم أُعتق ، فعليه أن يحج حجةً أخرى » :
المراد بالعبد هنا المملوك .


أي إذا حج العبد المملوك ثم أعتق بعد حجه فيجب عليه أن يحج حجــة الإسلام ، وفي هذا دليل على أن فريضة الحج لا تجب على العبد المملوك إذ لو كانت واجبة لأجزأه حجه قبل العتق ، ولكن جعل النبي صلى الله عليه وسلم حجه نافلة وأوجب عليه أن يحج بعد العتق ولكن لو أعتق بعرفات أجزأه حجُه عن حجة الإسلام . واما لو أعتق ليلة مزدلفة فإن وسعه الوقت بالذهاب والوقوف بعرفة فيجزؤه حجه عن حجة الإسلام فيذهب ويقف بعرفات ويرجع إلى مزدلفة ويصح حجه ، واما إذا لم يسعه الوقت كأن يعتق قبيل الفجر بدقائق فلا يجزؤه حجه حينئذٍ عن حجة الإسلام .

672- وعنه رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله يخـطـب يقول : « لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم ، ولا تسافـر الـمـرأة إلا مع ذي محرم » ، فقام رجل فقال : يا رسـول الله ، إن امـرأتي خرجت حاجة وإني اكـتـتـبـت في غـزوة كـذا وكـذا ، فـقـال : « انطلق ، فحج مع امرأتك » . متفق عليه.
قال البخاري رحـمه الله : حدثنا قتيبة بن سعيد قال : حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي معبد عن ابن عباس رضي الله عنهما .
قال الإمام مسلم رحـمـه الله : حـدثنا أبـو بكر ابن أبي شيبة قال : أخبرنا ابن عيينة به .
قوله : « لا يخلون رجل بامرأة » :
أجمع العلماء رحـمهم الله على تحريم الخلوة بالمرأة الأجنبية وإن كانت امرأة أخيك أو امرأة عمك أو امرأة خالك . وقـد جاء في الصحيحين من حديث عقبة أن الرسول قال : « إياكم والدخول على النساء » ، فـقـال رجـل : يـا رسول الله أفرأيت الحمو ـ وهو قريب الزوج من أخ وغيره ـ فقال الرسول : « الحمـو الموت » . يعني أن الحمو هو الهلاك لأنه يؤمن فيقع المحذور ، وفي صحيح الإمام مسلم من حديث هشيم بن بشير قال حدثنا أبو الزبير المكي عن جابـر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « ألا لا يبيتنَّ رجل عند امرأة ثيب إلا أن يكون ناكحاً أو ذا محرم » .
ولفظ الثيب خرج مخرج الغالب ولا مفهوم له .
وعند الترمذي وحسنة من حديث عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « ما خلا رجل بامرأة إلا وكان الشيطان ثالثهما » .
وقد تساهل كثير من الناس بهذه القضية فيخلون بالنساء الأجنبيات وهذا منكر من الفعل ومحرم باتفاق أهل العلم سواء كانت الخلوة في داخل البلد أو خارجه فلا فرق بين الأمرين عند أهل العلم .


قوله: « ولا تسافر الـمـرأة إلا مع ذي محرم » :

( لا ) هنا ناهية ، والنهي هنا للتحريم يؤيد التحريم ما جاء بالصحيحين من حديث الليث بن سعد عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « لا يحل لمرأة مسلمـة تسافر مسيرة يوم إلا ومـعها ذو حرمة منها » . وفي رواية : « مسيرة يوم وليلة » . وفي رواية : « تسافر ثلاثاً » .

والذي عليه أهل العلم أن الـمـرأة لا تسافر فيما يسمى سفراً إلا مع ذي محرم، لما يــؤدي سفرها بدون محرم من الفساد والإفساد ، فقد جبلت الـمـرأة على الضعـف ، ضعف العقول ، وضعف الأبدان ، وضعف الرأي ، ولأن الـمـرأة سريعة الميلان سريعة التأثر ، ولما كانت المفسدة مترقبة بسفرها بدون محرم أو بخلوة الأجنبي فيها نهيت عن هذا نهياً عاماً حتى لو كان سفرها لطاعة كحج وعمرة ، حتى ولو كان سفرها عن طريق الطائرة ، كل هذا محرم ولا يجوز ، ومع هذا تجد بعض السفهاء يدع بناته يسافرن مع سائق وما شابهه وهذا دليل إلى عدم الغيرة ودليل على ضعف الإيمان ومثل هذه الأفعال توجب سخط الله وعقابه ومقته لهذا المرء فإن الـمـرأة أمانة في عنق صاحبها ووليها « كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته » .
فتأملـــوا هذا الحديـث ، يقـول الصحابي : [ إني اكتتبت في غزة كذا وكذا وإن امرأتي خرجت حاجة ] ومع هذا يقول له : « انطلق فحج مع امـرأتــك » منــع النبي صلى الله عليه وسلم حـج الـمـرأة مع النساء . ومَـنْ النسـاء ؟ ، نساء الصحابة ، طاهرات مطهرات ، عفيفات متعففات ، ومَـنْ الرجال ؟ صحابة رسول الله ، ومـع هـذا لم يأذن النبي صلى الله عليه وسلم للمرأة أن تحج معهم إلا مع زوجها أو وليها .


وفي هذا الحديث ردٌ على بعض الفقهاء الذي يجوزون حج الـمـرأة أو سفرها مع جملة من النساء ، والحديث صريح في منع سفر الـمـرأة بدون محرم مطلقاً ، والمرأة إذا لم تجد محرماً يسقط عنها الحج ولا يجب عليها ، فإذا كان الحج الذي هو فريضة من فرائض الإسلام وركن من أركان الدين يسقط عن الـمـرأة بدون محرم فكيف تسافر الـمـرأة مع سائق وما شابهه .


وفي الحديث دليل على جواز ترك الجهاد من أجل الحج ، لأن الحج آكد إذا كان لغرضٍ صحيح كان يكون محرماً للمرأة أو يكون الجهاد فرض كفاية ليس من فروض الأعيان ، فيقدم الحج الواجب على ذلك .
وفيه دليل على أن الحج على التراخي وليس على الفور ، لأن هذا الرجل اكتتب في غزوة كذا وكذا ، فلو كان الحج على الفور لأمر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة كلهم أن يبادروا إلى الحج ، ولكن ليس معنى هذا أن الإنسان يهمل ويفرط ولا يحج ، وتتقدم به السنون وهـو غـير مريد للحج ، بل على الإنسان أن يتعجل بالحج لأنه لا يدري ماذا يعرض له .
والشاهد من سياق الحديث لكتاب الحج أن الـمـرأة لا يجب عليها الحج إلا مع ذي محرم ، وإذا لم تجد محرماً سقط عنها الحج .





يتبع