عند الوقوف على شاطئ الكلمة "الاكتفاء"،
لا يشطح فكرك إلى أن الكلمة تعني وضع النفس في سجن الغربة والعزلة عن الناس،
بل عليك أن تدرك أن الوسطية هي المطلب والمغنم الذي يحفظ لك راحة البال؛
بحيث لا تُلهبك نار الغياب، ولا تُهشِّم قلبك مطرقة الهجر والعتاب،
ويبقى داخلك متزنًا لا تكتسحه أمواج الاضطراب.
هو ميدانُ تدريبٍ تتعلَّم منه كيف تُنصت للتي بين جنبيك،
كي تتجاهل ضجيج ما حولك، وتتعلم كيف تكتفي بوجودك بعيدًا
عن وصاية من لا يقدِّر وجودك،
وأن تزرع في قلبك بذرة اليقين بأن الامتلاء لا يفد إليك من الخارج.
ولا يقع في قلبك، ولا يتردد في فكرك،
أن ذلك ينسف المشاعر التي يَخفق بها القلب،
بل هو مدعاة لأن تُهذَّب وتُوجَّه. أن تفتح باب قلبك للحب،
ولكن لا تجعله مقايضةً بنفسك، ولا تجعل ثمنه عذابها وإهمالها،
وأن تقترب دون أن تنغمس في ذواتهم.
فلا تكن حارسًا على أبواب عطفهم،
وكأنك تتسول منهم شفقةً ونظرةً تُجبر بها خاطرك،
ولا تجعل فيك زاويةً فارغة تنتظر من يشغلها.
من أراد أن يُعتق نفسه من أوجاعها،
فعليه أن يتخلّص من عوالقها وكلِّ ما يُرهقها،
وأن يقتلع من حياته كلَّ ما يؤذيها،
وأن يعيش بعيدًا عن الصراعات التي تستنزف وقته وصحته.
مما ستتعلمه من مخالطتك للناس:
أن تُحجم عن الكلام ما استطعت،
وأن تسمع من غير أن تُسلِّم بكل ما يُقال،
وأن ترفض أن تكون شاهد زور على أمرٍ قد وقع، ولم يكن لك به علم،
وأن تكون كهفَ أمانٍ لمن جاءك، وقد غرق في بحر الهموم،
وأن تُدرك أن سلامة القلب أثمن من كسب كل معركة،
وأن حفظ الود خيرٌ من كثيرٍ من الجدل،
وأن بعض الصمت حكمة،
وبعض البعد نجاة.
هناك من ينكأ فيك الجراح، فلا يهدأ له بالٌ إلا إذا اتسع الألم.
وهناك من يخيط لك الجراح، ويترك فيها خيط الوجع، فلا تبرأ ولا تنزف،
بل تعيش بينهما معلَّقة.
وهناك من تلتئم عنده الجراح، لا لأنه يملك دواءها،
بل لأنه لا يزيدها وجعًا، ولا يُثقِلها عتبًا،
ولا يُوقظ فيها ما نام من ألم.
فليست كل يدٍ تلامس الجرح تُداويه،
وليست كل روحٍ تقترب منك تستحق أن تسكن قلبك.