في غمرةِ الاشتغال، وتحت وطأةِ ما يتهافت علينا من مُلهيات، باتت القلوبُ والأرواحُ في سبات، وسكنت في مرادمِ النسيان سكونَ الموات.


ومن ذلك... تتوافدُ الهمومُ وتتناسل، وتتعاظمُ كالجبال وتترسّل، وفي ضجيجِ الارتباك واضطرابِ المسالك، ينبعثُ صوتٌ خافتٌ من أعماقِ المدارك، يهمس في أذنِ الضميرِ الناعس:
إنّ لك سعادةً لو اقتلعتَ ما أربكك، ونورًا لو نزعتَ ما أظلمك؛ ففي القربِ من الله أُنسُك، وفي ذكره صفاءُ نفسك، يربّت على قلبك برفقٍ، وينفضُ عنه ما أوجعك بلطف.


ففي تلك الربوع أفراحٌ لا تنتهي، وأنوارٌ تتجلّى ولا تنطفي، وهناك تُدفن الأحزانُ وتنجلي، وتُسقى الأرواحُ من معينِ الرضا حتى ترتوي.


ففي حضرةِ الرحمن سكينةُ روحٍ إذا اضطربت، ومداواةُ جروحٍ إذا اكتأبت؛
هنالك يهدأ الأنين، ويزول الحنين، ويشرق في الفؤاد يقينٌ بعد ظنون.
أما ترى أحبابَ الله... كيف تنهالُ عليهم مقامعُ الابتلاء، كالسيل إذا تدفّق واشتدّ البلاء، وهم يضحكون طمأنينةً لا استهزاء، ولا تهتزّ منهم شعرةٌ فرقًا ولا فزعًا؛
لأنهم أيقنوا أن الابتلاءات هدايا الأقدار، ورسائلُ اللطفِ من العزيزِ الغفّار.


هي دعوةٌ لكل من نالته عذاباتُ السنين، وأثقلته آهاتُ الحنين، أن يعيدَ النظرَ في المسير، ويستبدلَ الضيقَ بالنورِ المستنير؛
أن يغوصَ في أعماقه، ويتلمّس حاجاته، ويصالحَ روحه بعد شتاتها؛
فما خلقنا الله عبثًا، وما تركنا هملاً، بل أودع فينا سرًّا خفيًّا، وخيطًا متينًا علويًّا، يربط الأرضَ بالسماء، ويهدي القلبَ إذا ضلّ سواء السبيل.