في زاوية منسية من حي شعبي قديم، كانت تعيش الفتاة "أمل" التي بلغت لتوها الرابعة عشرة من عمرها. لم تكن تفاصيل وجهها تشبه تفاصيل الفتيات في سنها؛ فقد خطّت المسؤولية على جبينها مبكراً ملامح من الجدية والصبر، بعد أن أقعد المرض والدها وترك الأسرة بلا معيل سوى أم تكافح لتوفير لقمة العيش لثلاثة أطفال أصغر من أمل.
كانت أمل تستيقظ مع أول خيوط الفجر، تجمع خيوط الصوف الملونة وبقايا الأقمشة التي تشتريها بقرشات معدنية قليلة، وتبدأ في غزل وتطريز حقائب وقطع قماشية صغيرة لتبيعها في سوق المدينة الشعبي قبل أن تشتد حرارة الشمس. كانت تلمح رفيقاتها في الزقاق وهن يتضاحكن في طريقهن إلى المدرسة الإعدادية، تنظر إلى حقيبتها القماشية البسيطة، ثم تبتسم وتمضي، واثقة بأن لكل إنسان معركته الخاصة.
ذات صيف لاهب، وبينما كانت العاصفة الترابية تحجب الرؤية في السوق والجميع يركض للاحتماء، رفضت أمل حزم بضاعتها والعودة إلى المنزل، فالإيجار مستحق غداً ووالدها بحاجة لجرعة دواء عاجلة. وسط الغبار العالق، أبصرت قطة صغيرة علقت تحت عجلة عربة خشبية مكسورة وتكاد تختنق من الأتربة. بلا تردد، ركضت أمل وبسطت شالها الوحيد الذي تحتمي به من الشمس، ولفّت به القطة ومسحت عن عينيها التراب، ثم أطعمتها كسرة خبز كانت تدخرها لغدائها.
عادت أمل إلى البيت ذلك المساء منهكة تماماً، وأصابها صداع شديد وإعياء من ضربة الشمس والغبار، لكنها كتمت وجعها لكي لا تزيد من هموم والدتها. استمرت على هذا الحال لعدة أيام، تقاوم التعب وتطرز بالخيوط حتى كلّت أصابعها، إلى أن خانتها قواها وسقطت مغشياً عليها وسط زحام السوق.
تجمع المارة، وكان من بينهم "الأستاذة فريدة"، وهي معلمة متقاعدة تمتلك مشغلاً صغيراً لتعليم الفتيات الحرف اليدوية في الحي. نقلت فريدة الفتاة إلى عيادة قريبة وتكفلت بوضعها الصحي، وحين استعادت أمل وعيها، سألت المعلمة بنبرة خجولة عن سبب اهتمامها بها، فأجابتها فريدة بنبرة دافئة: "لأن من يغزل الأمل للآخرين وسط العاصفة، يستحق أن نمد له يداً تبدد عنه التعب. لقد رأيت في عينيك إصراراً لا يملكه الكثير من الكبار".
منذ ذلك اليوم، فتحت الأستاذة فريدة أبواب مشغلها لأمل، ولم تكتفِ بتعليمها أسرار الحرفة بشكل احترافي، بل لاحظت شغفها الشديد بالتعلم واقتناء الكتب المفيدة التي كانت تزين رفوف المشغل. كانت أمل تلتهم الصفحات بشغف وتتعلم منها أصول التصميم، والتاريخ، والإدارة.
بمبادرة من المعلمة، تم تسجيل أمل في فصول التعليم الليلي. كانت أيامها عبارة عن سباق مع الزمن؛ تطريز وتصميم نهاراً، ودراسة وسهر ليلاً. سقطت دموعها مراراً فوق الكتب من فرط الإرهاق، لكن كلمات والدها المقعد كانت تدوي في عقله دائماً: "الظروف تصنع طين الأرض، لكن الإرادة هي التي تحوله إلى ذهب".
توالت السنوات، وتخرجت أمل من المدرسة الثانوية بتفوق مبهر أهّلها للحصول على منحة جامعية كاملة لدراسة هندسة التصميم والفنون. يوم علقت شهادة القبول على جدار غرفتهم المتواضعة، بكت والدتها فرحاً واحتضنها والدها وهو يردد: "لقد كنتِ سندنا يوم مالت الأيام علينا".
بعد تخرجها، لم تبحث أمل عن الشهرة في المعارض الكبرى فحسب، بل أسست داراً ومؤسسة مجانية لتدريب وتأهيل الفتيات والنساء المعيلات في حيها القديم، لتمكينهن من كسب عيشهن بكرامة. وعلى لافتة الدار الكبيرة، حفرت عبارة تلخص رحلتها: "إلى عائلتي التي ألهمتني القوة، وإلى كل يد صغيرة تغزل أحلامها وسط العواصف.. ظروفك ليست نهايتك".
وقفت في يوم الافتتاح تنظر إلى الزقاق القديم، تذكرت خيوط الصوف البسيطة، والغبار اللاهب، والقطة التي آوتها، وأدركت أن بعض القلوب لا تنسج القماش لتبحث عن الدفء، بل تنسج من سنوات عمرها شمسًا تضيء بها دروب من تحب.