ما أعجب العلاقات حين تُولد بين يقينٍ لم يكتمل،
وظنٍّ لم ينعدم؛ فلا هي اقتربت حتى تستريح القلوب،
ولا ابتعدت حتى تنصرف الدروب.

يبدأ الأمر بكلمة، ثم يتبعها سؤال، ثم تلميح، ثم صمت...
حتى يصبح كل حرفٍ جسَّ نبض، وكل غيابٍ موضعَ فرض،
وكل حضورٍ بابًا لتأويلٍ جديد.

في تلك المواطن لا يبحث المرء عن الجواب بقدر ما يبحث عن أثره في قلب الآخر؛
فيرسل العبارة لا ليُسمِعها، بل ليرى صداها، ويخفي الشعور لا لأنه عدمه،
بل لأنه يخشى أن يبوح بما لا يجد له في الطرف الآخر مأواه.

وقد يحمل القلب مودةً صادقة، ومعزةً خالصة،
غير أن العقل يقف على عتبة الحذر،
فلا يسمح للمشاعر أن تتجاوز حدود الاحترام،
ولا يرضى للظنون أن ترتدي ثوب الحقائق.

ولعل أكثر ما يُرهق النفس ليس الغياب،
وإنما الاحتمال؛ فالحقائق تُريح وإن كانت موجعة،
أما الاحتمالات فتُتعب وإن كانت جميلة.

لذلك يبقى الإنسان معلقًا بين قلبٍ يقرأ الإشارات،
وعقلٍ يطالب بالبراهين، حتى يدرك أن بعض الأبواب لا تُفتح بالإلحاح،
وإنما يفتحها الوضوح، وأن بعض الأسئلة لا يجيب عنها الذكاء، بل الصدق.

ولعل أجمل العلاقات ليست تلك التي يكثر فيها التأويل،
بل تلك التي إذا حضرت فيها الحقيقة،
سكن القلب، واطمأن الفكر، واستراح الضمير.