فن التغرود.. من عناصر التراث الثقافي العماني غير المادي :



الفنون الشعبية تعتبر من أهم الموروثات العمانية، وتكمن قيمة هذه الموروثات بمختلف أنواعها في أنها تمثل عنصرا من عناصر التراث الثقافي غير المادي، والفنون البدوية هي لون جميل من الألوان الشعبية المتميزة بين الفنون الشعبية العمانية. والتغرود هو فن من فنون البدو، وهو من الموروثات العمانية التقليدية الأصيلة التي تشتهر بها العديد من محافظات السلطنة، وهو الغناء على ظهور البوش أي الجمال وهي تَخُب وفي ذلك قال المغرد: (يا ناقتي خبي خبيب سلوقي)، ويؤديه رجل أو مجموعة من الرجال أثناء سفر أو مسير طويل، (فقد جاب الإنسان العماني الصحاري والبوادي والفيافي الواسعة الفسيحة، كما جاب بحار العالم طولاً وعرضا)،وقد يؤدي البدوي التغرود وهو جالس للسمر، ويؤدى هذا النمط الغنائي بلهجات مختلفة في البوادي العمانية المنتشرة في كل من المحافظات التالية: (الباطنة، والظاهرة، والشرقية، وظفار، والوسطى، والداخلية).
التغرود في اللغة
إن كلمة (تغرود) في اللغة العربية مأخوذة من فعل غرد، والَغَردُ: التلحين في الصوت والإنشاد. وغَرَّد الإنسان تعني رفع صوته وطرب، وتقال كذلك للحمامة والمكاء والديك. وحكى الهجري: سمعت قمريا فأغردني أي أطربني بتغريده، ويقال: (مغرَّد – وغرَّيد – وغَريد – وغَرِد).
وبما أن الشعر هو ديوان العرب سنذكر بيتين من الشعر أحدهما للنابغة الجعدي*- وهو شاعر مخضرم- قرن فيه التغريد براكب المطية (أي راكب الناقة)، حيث يقول النابغة:
تعالوا نحالف صامتاً ومزاحماً
عليهم نِصاراً ما تغرَّدَ راكبُ
أما البيت الثاني الذي أورده ابن منظور صاحب قاموس المحيط، فهو لسويد بن كراع العكلي *، وقد قرن فيه التغريد بالحداء الذي ينشد للناقة كما هو معروف، حيث قال:
إذا عرضت داويةٌ مدلهمةٌ
وغرّد حاديها قريْنَ بها فَلقا
والمعنى اللغوي لكلمة “تغرود” تعني رفع الصوت والتطريب، وهو الصفة الفنية المميزة التي تميزه كفن شعبي عريق، وبذلك يعتبر ارثا حضاريا توارثه العمانيون من أجدادهم عبر الأجيال المتوالية في العصور المختلفة.
وفي هذا السياق يؤكد لنا الدكتور غسان الحسن، أن التغرود كان موجودا عند العرب منذ عهودهم الأولى قبل الإسلام، وأنها وصلت إلى عصرنا الحاضر محافظة على هيئتها شكلاً ومضموناً، وأن التغرود جاءت في اللغة ولها نفس المعنى في المصطلح الشعبي مما يدل على أن هذا الفن الشعبي له أصالة وعراقة.
أنواع فن التغرود:
1) تغرود البوش
ينشد تغرود البوش على ظهور الجمال وهي تخبّ أي أول سرعة بعد المشي فتكون حركتها بمثابة إيقاعات لترديد أبيات الشعر، وذلك أنه إذا زادت سرعة الركوبة على هذه السرعة فإن أي إنشاد فوقها سيكون متعذرا، لان الراكب لن يستطيع التقاط نَفَسه، وضبطه بسبب شدة حركة الركوبة. وكان في الماضي يؤدّى والرجال متجهون في رحلات السفر الطويلة سواء كانت رحلات تجارة أو غيرها، وهو إنشاد جماعي في صورة نغمية ثابتة تتميز باستطالة حروف المد في نغمة متموجة هي الصورة المسموعة لحركة سير الركاب، ويمكن للراكب أن ينشد التغرود منفردا، ويمكن أن يؤديها اثنان يتناوبان الأداء، ولذا فان هذا الفن يسمى “بشلة الركاب” إشارة إلى أدائه والركاب تسير، وقد يسمى أيضاً (همبل الركاب) أو (همبل البوش)لذات السبب، وتمارسه البادية في مختلف محافظات ومناطق السلطنة – كما اشرنا ذلك في المقدمة.
ولتسمية تغرود البوش تنويعات مختلفة منها: (الغيرود – الغارود – التغريدة – التغريد – الغردة – الغرد – الغارودة)، وكلها تشير إلى الصفة النغمية التي تميز هذا الفن البدوي الذي يؤدى- مثل غيره من فنون البدو – بدون طبول .. ولا تصاحبه أية آلات إيقاعية أو موسيقية، وذلك نظراً لطبيعة أدائه على ظهور المطايا وما يحيط بذلك من أوضاع.
ومن الأبيات التي تردد في التغرود عند الترحال:
اتلاحقوا طبيبان لي متلنه
ترابناته قاطعات الهنة .

ومن فن تغرود البوش أيضا:
لوع مصاعيبها وطوال نجودها
يا ناقتي يا حلوة اليهيال
عو الصبا عني وعنش نيال
والشيب خضب بو ذراعة مال

2) تغرود الخيل:
يؤدى عادة لوظيفة هامة وهي تحميس الخيل أو تحميس راكبها من الفرسان، وهو إنشاد تتخلله صيحات تنشيط الخيل وتحمّسها (عند تهيئة الخيل للمشاركة في السباق)، وتزخر شلاّت تغرود الخيل بمعاني الشجاعة والإقدام والشهامة، والمبادرة إلى نجدة الضعيف، وغالبا ما تكون هذه الشلاّت في مدح الخيل في شعر يعدد مناقبها ومزاياها (فللخيل مكانه خاصة في الأدب الشعبي العربي)، كما يذهب بعضها في مدح من يقتني الخيل ويربيها من الفرسان.