+مسألة دلمون:
وعلى أية حال فإن علماء الآشوريات كما سلف القول لم يهتموا كثيراً بتعيين مكان دلمون، فقد كان أمامهم ما يهتمون به أكثر وهم عاكفون على استخلاص تلك الحضارة البابلية العظيمة من الضباب الأثري ومقارنة ما تسفر عنه الاكتشافات الأثرية بما سجل عن أحوال بلاد شنغار وملوك الرافدين في اصحاحات العهد القديم.
ولكن مسألة دلمون لم تلبث أن برزت وفرضت نفسها على رجال الآثار المشغولين بما يتصورون أنّه أهم وأجدى.
ففي عام 1880 اكتشف رحالة بريطاني يدعى الكابتن ديوراند حجراً عليه كتابة مسمارية في مسجد قديم بالبحرين. وكان هذا الاكتشاف بمثابة حجر الزاوية في معرفتنا بتاريخ البحرين القديم على نحو يذكرنا بحجر رشيد بالنسبة لمعرفتنا باللغة المصرية القديمة. ونستمع إلى الكابتن ديوراند يقص نبأ عثوره على الحجر، فيقول:
"... وأخيراً أبلغني أحد الناس عن حجر عليه كتابة لا يعرف نوع كتابتها أو قراءتها، فذهبت لرؤية ذلك الحجر المطمور في أرض مدرسة الداوود بالبلاد القديم...وهذا الحجر من البازلت الأسود يشبه في شكله مقدمة السفينة أو لسان الحيوان وهو بطول قدمين وبوصتين، وبالرغم من قداسة المكان الذي يوجد فيه الحجر إلا أنني لم أواجه أية صعوبة في الحصول عليه وذلك بعد أن أخبرت الملاّ بأنّ ذلك الحجر يخصُّ عبدة النار وأنّه بمثابة صنم لا يناسب المكان المطمور بأرضه، ولكي أدعم كلامي ووجهة نظري تبرعت ببضع روبيات لترميم المسجد فما كان من الشيخ (الملاّ) واسمه أحمد إلاّ أن أرسل أحد عبيده ليحفر الأرض وينقل ذلك الحجر إلى منزلي".
ولمّا فكت طلاسم الكتابة المسمارية المنقوشة على الحجر وجد أنها عبارة عن جملة واحدة في ثلاثة أسطر تقول:
Hekal. Rimugas cri Inzak Agiru
وترجمتها: "هذا قصر ريموقاس
خادم الاله انزاك
من قبيلة عقير"
وكانت هذه العبارة بمثابة مفتاح سر دلمون الغامض، فقد كلفت الجمعية الآسيوية الملكية التي نشرت تقرير الكابتن ديوراند عالم الآشوريات البريطاني سير راولنسون بأن يعلق على التقرير. وكتب راولنسون مقالاً بديعاً في حجم تقرير ديوراند نفسه عن مسألة دلمون ربط فيه لأول مرّة بين اسم دلمون القديمة والبحرين الحديثة وأورد فيه جميع الاشارات التي وردت عن ديلمون ومنطقة الخليج في الكتابات المسمارية ومؤلفات الاغريق والرومان، كما تحدث عن مكانة دلمون في أساطير البابليين وديانتهم.
اعتمد راولنسون على النص الذي سبق أن نشره في إحدى مجموعاته والذي يقول : "الاله انزاك... اله دلمون" للقول بأنّ اكتشاف أثر لكاهن هذا الاله في البحرين يدل على أنّ البحرين هي نفسها دلمون القديمة. وقال راولنسون أنّ انزاك اسم أكادي للإله Nedo الذي يسميه الإغريق Mercury أي عطارد، والمعروف أنّ الاغريق منذ أيام الاسكندر يرون أنّ أهم عبادة كانت في منطقة الخليج العربي هي عبادة فينوس إلهة الحب والجمال وهي ذات علاقة بعطارد أو انزاك باللغة الأكادية البابلية.
ولكن سير راولنسون أقام اعتقاده هذا على الحدس أكثر مما أقامه على الدليل القاطع... وقد أثبتت الاكتشافات التالية صحة حدسه. وأتى بعد ذلك دكتور بيتر كورنوال الذي قام خلال الحرب العالمية الثانية بالتنقيب في عدد من تلال المدافن بالبحرين ثمّ كتب نظرية مفصلة قدّم فيها مزيداً من الأدلة على أنّ البحرين هي دلمون القديمة.
نص سرجون الآشوري:
إذا كانت دلمون هي البحرين كما استنتج راولنسون من الربط بين ما جاء في الحجر الأسود من أنّ البحرين هي مقر انزاك وما جاء في الوثيقة المسمارية التي ورد بها نص يقول: "الاله انزاك اله دلمون" فهل ينطبق هذا الاستنتاج المنطقي على اشارة سرجون الآشوري إلى ديلمون بأنها تقع على مسافة 30 ساعة مزدوجة (بيرو) وسط بحر الشمس المشرقة؟.هذا السؤال تصدى للإجابة عنه بالايجاب العالم الاثري الدنماركي جيوفري بيبي الذي قام بالتنقيبات الشهيرة في البحرين ومنطقة الخليج. إذ يعتقد بيبي أنّ نص سرجون الآشوري يحدد بدقة نسبية بالغة موقع ديلمون في الخليج العربي.
إنّ نص سرجون الآشوري يذكر مكانين على وجه التحديد هما بيت ياكين ودلمون، وواضح من النص أنّه كانت هناك حدود مشتركة بين دلمون وبيت ياكين مما يدل على أنّ ملك دلمون (أو بيري) بينما كان يعيش في جزيرة (كالسمكة في الماء) كان يفرض سيطرته أيضاً على جزء من الساحل القاري لبلاد العرب، ولكن بيت ياكين كانت بدورها متصلة بحدود عيلام (التي هي ايران حالياً وعاصمتها سوسة) كما يفهم من النص أيضاً... فأين تقع بيت ياكين على وجه التحديد؟.
نعرف من نص آشوري آخر تركه سنحريب Sennaeherib ابن سرجون الآشوري والذي تولّى الملك بعد أبيه عام 705 ق.م. أنّه حارب ميروداش – بالادان ملك بيت ياكين الذي كان قد ثار بعد أن أخضعه والده سرجون ويقول النص: "أنّ سنحريب هزم ميروداش – بالادان وأخضع بلاده بيت ياكين وإنّ سكان المدن الساحلية في بيت ياكين ركبوا السفن وعبروا البحر حيث لجأوا إلى عيلام" وهذا لا يترك مجالاً للشك في أنّ بيت ياكين كانت على الجانب الغربي للخليج بدليل أنّ سكانها اضطروا لعبور البحر للوصول إلى عيلام على الجانب الشرقي هرباً من سنحريب، وبذلك تكون الحدود المشتركة بين بيت ياكين وعيلام التي تحدث عنها سرجون الآشوري تقع في المنطقة الشمالية من رأس الخليج في مكان ما من الجزء الجنوبي لوادي دجلة والفرات، ويكون موقع دلمون القارية (التابعة لدلمون الجزيرة) جنوبي بيت ياكين على امتداد الساحل العربي للخليج، أي منطقة الاحساء شمالاً إلى الكويت بالأسماء المعاصرة.
نأتي بعد ذلك إلى تحديد موقع جزيرة دلمون حسب نص سرجون الآشوري.
إنّ النص يشير إلى أنها تبعد بمقدار 30 ساعة مزدوجة داخل الماء، والساعة المزدوجة (بيرو) وحدة قياس للمسافة بمقدار ساعتي مشي، أي أنها تبعد بمقدار 60 ساعة مشي، وإلى هنا تبرز عقبتان:
الأولى: أننا لا نعرف من أين يبدأ القياس الذي يؤدي إلى الوصول إلى دلمون بعد 60 ساعة مشي.
الثانية: أننا إذا اعتبرنا أنّ الساعة المزدوجة تقاس بالمشي على الأقدام فإنّ دلمون تكون أبعد كثيراً إلى الشمال عن موقع البحرين الفعلي.
غير أنّ إمعان النظر قليلاً يحلُّ العقبتين... فالأكثر احتمالاً أن يبدأ القياس من (ساجلات) على حدود عيلام حيث يبدو محتملاً أنّ أوبيري ملك ديلمون قدّم هداياه إلى سرجون في هذا المكان، وهو يقع في رأس الخليج أو منطقة شط العرب حالياً حيث تلتقي حدود عيلام وحدود بيت ياكين.
أمّا العقبة الثانية فتزول أيضاً إذا اعتبرنا أنّ البيرو أو الساعة المزدوجة المشار إليها في النص تقاس بالإبحار وليس بالمشي على الاقدام، فعندئذ تبدو المسافة المذكورة معقولة جداً، فإذا كان القارب القديم يبحر مسافة 5 أميال في الساعة الواحدة أي عشرة أميال في الساعة المزدوجة (البيرو) فإنّه يقطع بعد 30 ساعة مزدوجة 300 ميل وهي نفس المسافة التي تبعدها البحرين فعلاً عن رأس الخليج.
وعلى هذا - كما يقول جيوفري بيبي- يكون تخمين راولنسون صحيحاً إلاّ إذا تخلينا عن الشاهد الجغرافي الأثري الوحيد الذي لدينا عن موقع دلمون.
وبعد زمن ديوراند وراولنسون اكتشف اسم دلمون في كثير من الوثائق المسمارية الأخرى المتعلقة بشتّى الأغراض الدينية والتجارية والسياسية، وأقدم وثيقة تذكر اسم دلمون تمّ اكتشافها حتّى الآن هي لوح أور – نانيش ملك لجش الذي عاش حوالي عام 2520 ق.م. وفيه يقول: " أن سفن دلمون القادمة من بلاد أجنبية أحضرت لي الخشب كهدية". أما أحدث وثيقة مسمارية تذكر اسم دلمون فهي وثيقة ادارية من العام الحادي عشر من حكم نابونيدوس ملك بابل الذي عاش عام 544 ق.م. وجاء فيها ذكر حاكم دلمون.
وبذلك تكون دلمون قد استمرت معروفة لمعاصريها في الزمن القديم ألفي عام (من 2520 إلى 544 ق.م.) ولاشكّ أنها كانت معروفة قبل وبعد ذلك وقد تكشف الوثائق في المستقبل ما يزيد من المساحة الزمنية لمعرفتنا بها





رد مع اقتباس