في اليوم الرابع عدت اليه كما عدت في اليوم الأول حاملا بيدي هذه المرة قلة ماء صغيرة ، كنت أكثر شوقا لسماع كلمة أو حتى نصف كلمة. -السلام عليكم عمي.. انتظرت وأصغيت سمعي ويا لدهشتي وأنا أستمع الى رد السلام ، خرجت الكلمة من بين أسنانه كصوت صرير باب لم يفتح منذ أعوام . لكنه رد.. أنا متأكد أنه رد .. أقسم أنني سمعته. لا زال على هيئته ، لم يتحرك . قلت في نفسي هذا إنجاز عظيم . وشجعني الموقف على طرح جملة أخرى. -كيف حالك عمي.. رفع وجه بصعوبة بالغة كمن هده مرضا عضال عاشه لسنوات طوال ، نظر الى نظرة تحمل معاني لم أفهمها، ثم أغرورقت عينيه بالدموع ما لبث أن ارتعشت شفتاه وأضطرب جسمه وأصدر أنينا يقطع نياط القلب ، وبدا صوته يعلو حتى تحول إلى نشيج . اقتربت منه، احتضنته وقبلت رأسه ولم أستطع كتم مشاعري وأسهبت في البكاء لبكائه. وبكل عبارات المواساة حاولت أخفف حزنه وما يعتلج في صدره من حزن كتمه في صدره كل تلك السنون.
- هون عليك عمي .. وقدمت له قلة الماء ، حاول أن يمسكها بكفين مرتعشتين ،قربها من فمه أنكب كثير منها على جسمه وشيئا يسيرا دخل الى جوفه.
مسحت دموعي وجسمي لا زال يرتعش لهذا الموقف ، لا بد أن لهذا الكهل قصة مؤلمة ، لقد نقل لي احاسيسه ، فصرت أتألم لألمه وأحزن لحزنه وابكي لبكائه،شعرت كأنه أبي أو أحد أفراد أسرتي اللذين نتألم لهم ان أصابهم ألم أو حزن.
تركته لحين ما هدأ تماما ، ثم سألته عمي ما ذا بك ولم تجلس دائما في هذا المكان.
نظر الى طويلا .. ثم نظر الى الوادي وعاد للبكاء مرة أخرى . رجوته أن يتوقف عن البكاء ، وأستأذنته في الذهاب ليهدأ قليلا بعد أن أجتر أحزانا قديمة ، وأخبرته بانني سوف أعود اليه بعد صلاة الظهر. أومأ بيده المرتعشة أن أنتظر ، حركت رأسي بالإيجاب.
أخذ نفسا عميقا ومسح دموعا سائلة على خديه وقال ، كان ذلك منذ عشرون عاما.كنت أعيش مع أسرتي،زوجتي وابنتاي أحداهن عمرها عشرة أعوام والأخرى سبعة أعوام وأبني أصغرمن هن سنا. كنا في سعادة وهناء. وفي أحد الأيام أظلمت الدنيا بسحب كثيفة وهطلت أمطارغزيرة وكنت في البيت أحتضن أبنائي وزوجتي الى جواري نحتمي من زخات المطر.
وفجأة اقتحم الوداي بيتنا ، فتفرقنا لا أدري أمسك من! الأبناء ام الزوجه ، كانوا يتعلقون بي لكن الوادي كان أقوى مني فلم أعد أقوى على الإمساك بهم ، كانوا يتفلتون الواحد تلو الآخر ، وصرخت على أهل القرية ليهبوا لنجدتي ، لم يسمع صراخي أحد ولم يهب لنجدتي أحد ، وذهب الوادي باسرتي وبقيت متعلقا بأحد جوانب البيت الى الصباح وليتني لم أفعل وليتني تركت نفسي أذهب خلفهم ، ثم اشار بيد مرتعشة الى مجموعة قبور على حافة الوادي ، تلك هي قبورهم.
أسهب في البكاء مرة أخرى وقد شجعته هذه المرة على الاستمرارفي البكاء حتى يزيل حزنا طويلا كتم على نفسه عشرون عاما. وقفت الى جواره انظر الى القبور، وتمنيت لو توقف عن البكاء الآن ،لأنني لم أعد استطع تحمل بكاءه الحزين ، بعد قليل بدأ صوته يخفت رويدا وريدا ، حتى سكت تماما ، قلت الحمدلله ، لعله أرتاح من هذا الحمل ، مسحت دموعي واقتربت منه لأصطحبه معي الى البيت . -عمي ... قم معي للبيت . لم يجب.قلت في نفسي ربما لم يسمعني. نظرت اليه فإذا عيناه متحجرتان في مقلتيهما ، لا زال ينظرالى الوادي .
وضعت يدي على كتفه ، مال الى اليمين قليلا ثم سقط الى الأرض .
أصبت بذعر شديد ، جثوت على ركبتي واقتربت منه أتحسسه ، فإذا به قد فارق الحياة .
صرخت صرخة أرتجت لها بيوت القرية ورأيت العديد من الأهالي يركضون نحوي يستعلمون مالخبر ، رأو الكهل ممدا على الارض قد فارق الحياة ، صمتوا جميعا. وأنا أنظر اليهم واحدا تلو الآخرنظرة ملئها العتاب ، وأخبرتهم بقصته ، لم يبقى أحدا منهم الا وقد ضرب كفا بكف وسالت دموعه على خده وكلا منهم يعاتب نفسه كيف لم نعلم حقيقة هذا الرجل كل هذه السنين، حملناه الى مسجد القرية للصلاة عليه ، ثم ذهبنا به الى حافة الوادي ليقبر بجواراسرته. انتهت