كثيرًا ما يركن أحدنا تحت ظل الأعذار،
فيجعل من المحيط سبب هزائمه، وأنه داء علّته، فيستريح — وهمًا —
من وغزات الضمير، ويتجاهل همهمات الإرادة بعدم تصدير أسباب كبوته،
فيبرّئ النفس التي بين جنبيه ساحتها.
ومن ذلك، تهرم في داخله نزعات الارتقاء، وتخبو بذلك نار الارتقاء.
ويظل المرء على هذا النحو يراوح مكانه، يبدّل الأعذار كما يُبدَّل الثوب،
ويظن أن في تبديلها نجاة، وما هي إلا سترٌ رقيق على تقصيرٍ أثقل من أن يُخفى.
حتى إذا طال به المقام في ظل التبرير، ألف السكون، واستأنس بالعجز،
وصار الوهن عنده طمأنينة كاذبة، يُسميها راحة،
وهي في حقيقتها انطفاء بطيء لما كان في داخله من جذوة.
وما المحيط إلا مرآة لما في النفس، إن صلحت صلح،
وإن اعوجّت انعكس اعوجاجها في كل ما ترى،
غير أن النفس تأبى إلا أن تُلقي على الخارج
ما عجزت عن إصلاحه في الداخل.
وهكذا تموت في الإنسان خطوات كانت يومًا تروم العلو،
لا لأن الطريق انغلق، بل لأن الإرادة آثرت
أن تُغلق أبوابها قبل أن تُجرّب المسير.