في محاجر البحث عن معاني الأشياء، ستواجه العقبات والتحديات؛
فإما أن تكون على هيئة تشابه في المصطلحات، أو أن تكون محفوفة
وملغومة بالاختلافات في تفكيك معانيها من قِبل المختصين فيها.



والأنكى من ذلك،
حين يتصدر الأغمار ساحة المشهد،
فيجعلون من أنفسهم فلاسفة العصر،
وهم لا يملكون من شجاعة البحث
والتنقيب في بطون الكتب إلا قراءة كتاب
أو سماع أربابٍ يُشاطرونهم الهوى والغربال!



ومن أعظم انتكاسات العالم العربي بروز مثل تلك العينات التي تُشاغب المشهد،
وتحاول مستميتة أن تطفو على السطح لتلفت الأنظار وتُسلَّط عليها الأضواء.



والمصيبة حين تجد لها حضورًا لافتًا لدى من تدغدغ عباراتُها مشاعرهم،
وتُبهرهم شجاعتُها وتلقائيتُها؛ فينساقون إليها كما تنساق الفراشات إلى حتفها
في نارٍ وُضعت في جانبها.



أخبرني أحد الإخوة،
ممن عاش سنين بين أكوام من الكتب،
غاص فيها ونقَّب في مضامينها، فقال:
كنا في مطعم مع عدد من الإخوة،
في جلسة هادئة تحفُّنا السعادة،
وما هي إلا لحظات حتى اقتحم علينا رجل،
بهندامٍ مرتب، من إحدى الجنسيات العربية،
وأخذ يتفلسف علينا ويغوص بنا في الفلسفة والمنطق.
وكان كل من على تلك المائدة وكأن على رؤوسهم الطير،
لا يفقهون مما يقول شيئًا.





وكان الذي بجانبي يطلب مني أن أرد عليه،
إذ ثارت أعصابه حين رأى ما في حديثه من استعراض
أمام قوم لا يملكون أدوات مناقشته، فطلب مني أن أرد عليه وأنا أرد عليه بقولي: أتريد كبابًا أم تريد تكة دجاج؟
فأخذ صاحبي يعاتبني ويقول: وهل هذا وقت التكة والكباب؟




وبقيت هادئ الأعصاب، وبعد فترة طويلة سكت ذلك المقتحم،
فقلت له:
يا هذا، كل ما ذكرته يتعلق بما وراء المنطق،
وقد تحدثت عن كذا وكذا...
ثم عددت له ما قاله، ونسفت جميع المغالطات التي أبداها،
وسألته سؤالًا ابتلع ريقه عنده، ثم أعقبت ذلك بنصيحة وقلت له:
ما فعلته ليس إلا استعراضًا لما قرأته،
وليس هذا مقام من يحمل في عقله علمًا ومعرفة.




فلسنا في جلسة حوار علمي أو فكري
حتى تأخذنا إلى ذلك البحر المترامي المتلاطم.




فبُهِت الرجل، ثم استأذن وانصرف،
ونلت من أصدقائي الشكر والتقدير،
إذ وجدوا في ردي عليه استردادًا لاعتبارهم وكرامتهم .




وهنا مكمن الداء الذي يتسلل إلى بعض النفوس
متوشحًا بثوب المعرفة،
وهو في حقيقته لا يعدو أن يكون غرورًا منتفخًا
ووهمًا متضخمًا.




فالمعرفة ليست صفحاتٍ تُقلب، ولا محاضراتٍ تُسمع،
ولا مصطلحاتٍ تُردد في المجالس فتُكسب صاحبها هيبةً
مصطنعة أو مقامًا موهومًا.



إن بين أول الطريق وآخره مفاوز شاسعة،
وبين المعلومة والعلم بحارًا متلاطمة،
لا يعبرها إلا من صبر على وعثاء الدراسة،
وألزم نفسه بقواعد الفن وأصوله،
وأخضع عقله لميزان التحقيق والتدقيق.



فالعلم بناءٌ راسخ لا يقوم على أعمدة الانبهار،
ولا يثبت على أرض الاستعراض،
وإنما تُشاد أركانه لبنةً فوق لبنة،
وسنةً بعد سنة، حتى يشتد عوده ويستقيم بنيانه.




وكم رأينا من متكلمٍ بهر الأسماع بجزالة منطقه،
وأثقل المجالس برنين ألفاظه، فإذا عُرض على أهل الاختصاص
تهاوى بناؤه كما يتهاوى قصرٌ من زجاج أمام أول حجر.



فالألفاظ قد تخدع السامعين، ولكنها لا تخدع الحقائق،
والعبارات قد تُصفق لها الأكف،
ولكنها لا ترفع صاحبها درجةً في ميزان العلم.




ومن أعجب العجائب أن يظن المرء أن ما قرأه في كتاب،
أو التقطه من محاضرة، أو سمعه في مجلس،
قد أهَّله ليزاحم أهل التخصص في ميادينهم،
وينازل أرباب المعرفة في حصونهم.




وما درى أن العلم له أبواب ومداخل،
وله أصول وقواعد، وله رجال أفنوا أعمارهم بين النظر
والمراجعة والتصحيح والتقويم،
حتى صار أحدهم إذا تكلم تكلم من أرضٍ صلبة،
لا من سحابٍ عابر.




وكلما ازداد المرء علمًا ازداد تواضعًا؛
لأنه يرى من اتساع المجهول
ما يكسر في نفسه نشوة الادعاء.



أما المتعجل فإنه يقف عند أول الساحل،
فيحسب أنه أحاط بالبحر كله،
ولو أبصر ما وراء الأفق لعلم أن جهله أعظم من علمه،
وأن ما خفي عليه أكثر مما ظهر له.




لهذا كان الكِبر في ميدان المعرفة علامة نقص،
لا أمارة كمال؛ ودليل عجز، لا برهان اقتدار.



فالعلم الحق يُهذب النفس قبل أن يُثري العقل،
ويورث صاحبه سكينةً قبل أن يمنحه البيان،
ويجعله أكثر إنصافًا لنفسه وأشد إدراكًا لقدرها وحدودها.



وهذا مثال بسيط نُبين به بعض هذه النماذج التي أعدُّها طفيليات
تقتات على الفراغ والجهل المعرفي لدى كثير من شرائح المجتمع.



فبعض من يُنسبون إلى الأقلام الجريئة والحرة ينسون أحجامهم،
ويغفلون عن حقيقة أنهم ريشة تتقاذفها رياح المعرفة في هذا الكون،
فلا هي أمسكت بزمامها، ولا هي بلغت من سماء العلم منتهاها.