لا تزال رحى البحث تدور حول قضايا محسومة، وقد غدت من بقايا الأمس،
ومع ذلك تجد من يلوكها في مواضع شتى، دون أن يُكلِّف نفسه إعمال العقل،
أو يُحرِّك لذلك جحافل البحث والتحقيق.

ومن عظيم المصائب أن نُجدِّد قضايا استُنفدت مدارستها،
واستقر فيها القول، وغلب على الظن أن ثمرة الخوض فيها قد استوفيت،
ثم نُعيدها إلى ساحة الجدل، وكأن التاريخ لم يترك فيها أثرًا،
ولا العقول خلّفت فيها ميراثًا.


غير أن واقع بعض الناس بات مولعًا بنبش مقابر الخلاف،
ليبعث رفاتها من جديد، وليفتح أبوابًا أُغلقت منذ أمد بعيد.

ولو أنهم أعملوا عقولهم، وصرفوا جهودهم إلى النوازل والقضايا
التي تستدعي النظر والاجتهاد، لكان أنفع للعلم، وأقرب إلى مقاصده.

إن العقل لا يُقاس بكثرة ما يستحضر من أسئلة،
بل بحسن اختياره للأسئلة التي تستحق أن تُطرح.

فليس كل ما يمكن إحياؤه جديرًا بالحياة،
وليس كل خلافٍ صالحًا لأن يُبعث من قبره.

فالتاريخ المعرفي لا يتقدم بتكرار الأسئلة،
وإنما يتقدم بتجاوزها إلى ما هو أعمق منها وأولى بالبحث.

إن الوقوف عند أطلال الخلافات الموروثة،
مع إهمال أسئلة الواقع، ليس وفاءً للتراث،
بل هو عجز عن إنتاج المعرفة.

فالتراث لم يُخلَّد لأنه كرر نفسه،
وإنما لأنه كان في زمانه جوابًا عن إشكالات عصره.

ومن أراد أن يكون وريثًا للعلم،
فليكن وريثًا لمنهج أهله في التفكير،
لا مجرد حافظٍ لمواضع اختلافهم.

وليس من الحكمة أن نجعل الماضي سلطةً تُصادر الحاضر،
ولا أن نجعل الحاضر قطيعةً مع الماضي؛
وإنما الحكمة أن يكون الماضي مرجعًا،
لا سجنًا، وأن يكون العقل حَكَمًا، لا تابعًا.

فالمعرفة التي لا تُثمر فهمًا جديدًا،
ولا تُنتج سؤالًا جديدًا، ليست إلا دورانًا في دائرةٍ يُخيَّل لصاحبها أنه يسير،
وهو في الحقيقة لم يبرح موضعه.