الشيخ الوقور حمد بن سليمان بن حميد الحارثي
ولد الشيخ الوقور حمد بن سليمان بن حميد الحارثي في بلدة المضيرب من المنطقة الشرقية، وقد عاش وتربى في أسرة تميزت بالأخلاق الفاضلة والمعاملة الحسنة والحب البالغ لخدمة الناس والسعي من أجل تحقيق أمنهم وصالحهم.. وكان والده سليمان بن حميد أحد الفرسان المشاهير في عمان وأحد المشايخ البارزين في عشيرته الحرث.
فتربى على يديه آخذا منه حميد الصفات.. وقد قام بقراءة القرآن على يد المعلمين الموجودين في عهده.. ولكن لم تدم صحبته لوالده الذي رحل عنه إلى زنجبار.
بدأ عَلَمُنا دراسته على يد معلمي القرآن الكريم ومبادئ العلوم وأكمل تعليمه على يد الشيخ عيسى بن صالح بن علي الحارثي فلازمه طوال حياته.
كما أكمل دراسته عن طريق التحصيل الشخصي وقراءته المستمرة لمختلف الكتب التي تقع عليها يداه الطاهرتان.. فكان لا يجلس في حلقة إلا ويملأ الفراغ بقراءة أحد الكتب التي توافق طبيعة الحاضرين.. وكان يتعهد المدرسين في حال صحتهم ومرضهم وفي سرورهم وأحزانهم.
نهجه وسيرته
عوّد الشيخ نفسه على الصعب، وألزمها الجد والاستقامة، وعاش حياة مؤلها الشدة والصرامة، وكان بعد أداء صلاة الفجر يقوم بدراسة ما تيسر له من القرآن الريم.. ثم يتناول طعام الإفطار بصحبة أولاده وضيوفه ويقوم من خلال هذا اللقاء بتوجيه النصائح إلى أبنائه الذين كانوا يتقبلون كل نصائحه وأوامره بكامل الرضا. بعدها يخرج ليشرف على أعماله الزراعية والتجارية المناسبة لطبيعة حياته، بعدها يعود إلى المجلس لاستقبال ضيوفه من الزائرين وأصحاب الحاجة والعون والمتخاصمين، استقبالا يتسم بالبساطة والانشراح والسعادة. وبعد أداء صلاة العصر يتوجه إلى السوق للنظر في خصومات الناس، ثم يعود إلى بيته للجلوس مع أولاده ولاستقبال ضيوفه في بعض الأحيان.
وبعد المغرب يسمر مع جماعته من أقاربه وخواصه وفي هذا الاجتماع تتم قراءة بعض الجوانب المتعلقة بالسيرة النبوية ولوازم العبادات والطهارة والفقه وما شابه ذلك من أمور حتى يحين موعد أذان العشاء، بعدها يذهب ليتحسس مرابط الخيل والإبل، وأماكن السقاية والري في الحدائق ومدى التزام الناس بالأمانة في استخدامهم للفلج.
الدور الاجتماعي
كان عالمنا داعية سلام يود لو أن الناس في حال وفاق ووئام دائم وقد أفنى عمره في تحقيق هذا المطلب.
فكان من جهة أولى واسطة الخير بين الشيخ عيسى بن صالح الحارثي وبين أفراد العشيرة وأيضا بين الشيخ وممثلي القبائل المختلفة ينوب عنه في مهماته وأسفاره فكان له نعم المستشار المخلص الأمين.. وقد استطاع أن يوفق إلى حل المشاكل الصعبة بين جماعات كانت على شفا الاقتتال. ومن ذلك نجاحه في حل الخلافات الواقعة بين بني عرابة وبني طي وجمع شمل الجماعة الواحدة من جديد.
وقد أرّخ أبو الوليد سعود بن حميد في قصيدته بهذا الدور في قصيدته رحلة الطائيين مشيدا فيها بجهوده:
وزعمـوا أن بنـي عــرابة
قد آذنـت طـي بالحـرابة
فندب الأميـر ابنـه حـمد
فتى سليمـان ونعـم المعتمد
لبى الدعاء مسرعـا بالحـال
حيـنـئذ آذن بالتـرحـال
وقد صحبنـاه لكشف الواقع
وللقضا بالـحق في التـنازع
من بلـدة المضيرب الشهيـرة
خروجنا ونعـم تلك السيرة
وأظهروا التفـويض للأميـر
في الحال والمـال بلا نكيـر
وشكروا الوفـد ونعم الوافد
فتى سليمـان الزعيـم القائد
قد راض للأمـور بالسيـاسة
لأنه مـن منبـت الرئـاسة
فلم يزل يرأب صدع القـوم
حتى أقـروا كلـهم باللوم
وهكذا قد جاء في ضرب المثل
أرسل حكيما ثم عنه لا تسل
كما أنشد الشيخ محمد بن عيسى الحارثي تسجيلا لوقائع الصلح في قصيدة منها:
فعاجلا أرسل ابنـه حـمد
إليهم ونـار حربـهم خمد
خوفهم عقبى الأمور الخاسرة
فانفشل الجمع وأطفأ الثائرة
وقد أتي بالرؤسا العبـاهـل
صحبته حتى انتهوا بالقابل
وكان السلطان سعيد بن تيمور يجله ويقدره حقّ قدره ويسميه المخلص والذهب الخالص ويشيد به أمام جلسائه فيقول (إذا أردت أن تقضي غرضا ويأتيك كما ينبغي فعليك بحمد بن سليمان). كما نال احترام وإعجاب الإمام محمد بن عبد الله الخليلي لاضطلاعه بدور الوسيط بين أطراف متنازعة ونجاحه في التوفيق بينهم.
في إحدى المرات أرسله السلطان سعيد بن تيمور مصلحا بين بني عمرو وبني راشد الهشم من بلدة سيق وسبت من المنطقة الشرقية فاستطاع أن يصلح بين الجماعة الواحدة.
أسفاره ورحلاته
سافر إلى الحج سنة 1348هـ ومن مكة توجه إلى زيارة أخيه في زنجبار ثم عاد إلى عمان.
توجه إلى البحرين وهناك التقى بالشيخ عيسى بن حمد آل خليفة (شيخ البحرين آنذاك في سنة 1346هـ).
سافر إلى زنجبار وأفريقيا الشرقية سنة 1366هـ ثم عاد إلى عمان عن طريق الهند وكان بمعيته ولداه محمد وعبد الله.
سافر لأداء فريضة الحج سنة 1373هـ ثم توجه إلى زنجبار وبقي هناك عشرة أشهر وكان بصحبته ولده سالم ولقي استقبالا حافلا من القبائل العمانية المهاجرة إلى مناطق شرق أفريقيا.
سافر إلى الهند للعلاج سنة 1378هـ على إثر إصابته بأمراض باطنية.
صفاته الشخصية
كان ناصحا غيورا يحمل المودة للقريب والبعيد، ترتسم على وجهه ملامح الهيبة والوقار والسكينة.. وكان دائم القراءة والإطلاع. كثير الصدقة على الفقراء والمساكين لا يخلو بيته من الضيف.
أولاده
كان له من الأبناء أحد عشر: (محمد وعبد الله وسعيد وصالح وسليمان وسالم ويحيى ويعقوب وزاهر وأحمد ومن البنات ثلاث فاطمة وخديجة وعائشة).
وقد أولاهم جانبا مهما من وقته وتفكيره ونشّأهم تنشئةً دينيةً وعلميةً وخلقيةً خالصة، وجلب لهم المدرسين من كل صوب، ودعاهم إلى التحلي بمكارم الأخلاق وإلى المواظبة على أداء الفرائض والسنن وكان يقول لهم (تعلموا فإنكم لا تعرفون إلا بالعلم، إذا أردتم العلم للدنيا أو للآخرة، وتعلموا ما دمت أنا موجودا بين ظهرانيكم أحمل عنكم كل ثقيل فإذا فقدتموني شغلتكم الدنيا وركبتكم البيوت وحملتم هم الأولاد فحينئذ لا تتفرغون للعلم، فلا يتعلم إلا من تَفرّغَ من العلائق الدنيوية).
بهذا المنهج الحكيم في التربية والرعاية نشأ هؤلاء الصبية وأجادوا قرءاة القرآن الكريم وخط الخط لسبع وأكملوا دراستهم النحوية والفقهية والأدبية والعقدية على يد معلمين أكفاء من مختلف المناطق والبلدان فاستفادوا من فترة طفولتهم استفادةً أهّلتهم لأن يصبحوا من خيار الناس علما وخُلُقا.
وفي وصفهم يقول الشيخ سالم بن سليمان البهلاني أثناء قيامه بزيارة الشيخ حمد بن سليمان (لما زرت المضيرب وجدت أنجال هذا الشيخ الأبر على سيرة ليست سيرةً مثلها في البلاد من طلب العلم واتحاد وأدب تهذبت به الأنفس وقد طلب إليّ بعض الفضلاء نظم قصيدة في هذا الموضوع فقلت:
تمسك الدهر بالأخيـار معتمـدا
فلت تر غيرهم بالـحق مستنـدا
لا تعد عن سنن ساروا بـها سننا
إذا عدوت غدوت الحائد الرشدا
نعم الأجلة فوق النـاس مـرتبة
هم الأدلة في الدين الحنيف هدى
جاؤا بما جاءت الرسل الكرام به
من الرسالة وحيـا ليس منـتقدا
ووجهوا أنفسا للعلم جهـدهم
مجاهدين قياما كل مـن جحـدا )
وقد تأثر الشاعر سالم بن سليمان البهلاني بشخصيته، وسار ينشد القصائد تعبيرا عن إعجابه بسيرته ومما قاله:
1- قصيدة بعنوان معالم الفضيلة:
بتاريخ 10 ربيع الأول 1377هـ
بنو الكمال رجال الحرث إنـهم
لهم كمالات فضل لست أحصيها
لهم صحيفة مجد حشو أسطـرها
وقع الوقائـع حربـاً شب واريها
لو لم يكن غير سل الفرض منصلتا
على الجهاد كفى علمـا يـجليها
قاموا على الحق في احصارهم زمنا
والكل ندب على حسنـى يراعيها
تجددت لـهم ذكـرى مـخلدة
في جبهة الدهر غـرا في معـانيها
بنى المعالي كـرام الـخيم مجدكم
إليه أدعوكـم بالعـزم توجيـها
أنتم بنـوه وأنتـم عصبـة نجـد
نجب كماة على الـهيجا ضواريها
سلوا العـوالي عن أفعال سالفكم
وكيف سلوا على العليا مواضيها
مالي أرى الزمـن العصري منحرفا
عن السواء سبيـلا ليس يبـغيها
شق العصا بين أهليه فمـا التأمت
جراحة الداء أعيـت من يداويها
تناكر النـاس ساء الظن بينـهم
داني القرابة صار اليـوم قاصيها
2- وقصيدة أخرى استهل بها وصف المضيرب:
سُوحَ المضيرب لا أُعدمت خيرَ فتى
أرسى الفضيلةَ طودا عن تداعيها
حسبي بطلعتـه حسبـي بنبعتـه
حسبي أرى نفسه تعطى أمانيـها
شأن وصيت فمـا عرضي مقلدة
يتيمة الدهر فـي أبـهى لآليها
قريـحة نـحتت أجبالـها حجرا
وما قضت وطرا لا طرا قوافيها
وفاته
بعد حياة مليئة بالعطاء لقي الشيخ الجليل حمد بن سليمان الحارثي ربه في سنة 1389هـ عن عمر يناهز الثالثة والسبعين. وكان السبب في وفاته يعود إلى أمراض باطنية مزمنة.
وقد رثاه الشعراء بأحر القصائد ومما قاله (الشيخ عبد الله بن علي الخليلي):
نبأ ما سمعت يهوي به البرق
لـهيـبا ويفحـم الحزن وكرا
جـاء ينعي كريم قوم قضى
الحتف عليه وكان للمجد نشزا
ياله من عـزيز دهر تقاضته
الليالـي ديـن الـمنية جـازا
ساورته الهموم دهرا فوافاها
بصبـر الركـام يسعـون غزا
حمد من بني الحمـد حصنـا
فغدا حصنـه على الحمد حجزا
يا رفيع المقام يا ابن سليمـان
لك الافتخـار جهـرا وركزا
كما رثاه ولده الشيخ سالم بن حمد الحارثي بقصيدة جاء فيها:
يبكيــك مسجـدك المرتضى
عند الصـلاة ووقت السحر
ويبكيك حقا هـم المـرملـون
وتبكيك حقـا أعالـي السير
ويبكيـك ضيـف أتـى هائما
فألقيته بالـرضـي والبشـر
كما رثاه الشاعر الشيخ أحمد بن عبد الله بهذه القصيدة:
حمد المرتضـى وبـرا كريمــا
كان للناس في العصور الخوال
معرق الأصل من جدود تسامت
كامل الأصل بين جد وخـال
ولكم حاجـة قضـاها انتدابـا
واحتسابا لربـه ذي الجـلال
فإذا جـاد فالطـبيعة تسخـو
كرما فاضحا مهب الشمـال





رد مع اقتباس