2- 《《《
ولكن الحياة لا تستمر على وتيرة واحدة وهذه سنة الله في خلقه ، وهنا أرى الدمع يملأ عينيها يكاد ينسكب من شدة الهول الذي رأته وسمعته عن أحداث الانقلاب وتبعاته والظروف العصيبة والقاسية التي صاحبته توقفت عن الإجابة لأنها وقعت في أزمة نفسية جرّاء ما حصل لهم هناك ، ولكن شغفي لمعرفة الحقيقة جعلني ألح في السؤال ، ماذا حصل لكم في 26 شعبان 1384هـ الموافق 12 يناير 1964م؟
تسرد أمي ما حفر في ذاكرتها وما أرادت أن تخبرنا به ـ وأظن أن ما خفي أعظم ـ : كنا في المنزل كعادتنا نلهو ونلعب مع أقراننا ولاندري ما الذي أحيك علينا من مؤامرات وخبث ومكر ربما لأننا بعيدون عن العاصمة وبحكم سننا الصغير آنذاك ، قبل الانقلاب بيومين أو ثلاثة أيام انتشرت شائعة بأن ستحصل أعمال عنف من قبل بعض الأفارقة ـ وتقصد هنا الحزب الافروشيزاوي ـ قد يصل إلى حد الاعتداء أو القتل مثل ما حصل قبل ثلاث سنوات ـ تقصد الأحداث التي وقعت في عام 1961 إبان الانتخابات البرلمانية والتي من شدتها لجأ أبي وباقي الجيران إلى بيت كبير يسمى ببيت أللمكي في “مويرا ” ـ الذي يعتبر بمثابة الحصن لهم ـ واخذ معه إخوتي وأخواتي على عجل وتركني في البيت لأني كنت طريحة الفراش ومصابة بالحصبة كما قيل لي آنذاك ولكن مروءة أخي الأكبر غير الشقيق أبى إلا أن يحملني على ظهره ـ رغم هزالة جسمه ونحافته ـ إلى بيت اللمكي لينقذني من الغوغائيين وبعد هدوء الأوضاع عدنا إلى بيتنا ولم يسرق منه شئ والحمد لله ـ نرجع لمحور حديثنا عن الانقلاب الذي وقع في ينايرعام 1964 م وبعد انتشار الشائعات لم يدر أبي كونه مزارعا بسيطا أن هذا انقلاب على الحاكم وليس مجرد أحداث شغب وستزول وما إن جن الليل وكنا نستمع إلى الإذاعة عن زحف الانقلابيين صوبنا وبعد سماعنا أصوات إطلاق نار انتابنا شعور بالخوف والهلع لان أحداث مماثلة وقعت قريبا وراح ضحيتها العشرات من الأبرياء لا زالت في الذاكرة ونفكر هل نحن قريبون من الأحداث ؟ ما مدى خطورتها علينا ؟ كانت أسئلة كثيرة تجوب في خاطرنا ، وبعد ما تأكد خبر أحداث العنف والتقتيل بحق العرب والمسلمين تطايرنا من البيت أنا وإخوتي وأخواتي وأمي لننجوبأنفسنا وأخذنا نتيه بين المزارع تارة نتسلق الأشجار وتارة نندس بينها ولكن أبي رفض أن يخرج من البيت ولسان حاله الموت دون المحارم شهادة ، وبعدما اختبأنا بين أشجار المانجو رجعت أمي إلى البيت لتتفقد أبي وإذا بها تقع في أسر الانقلابيين الذين وجدتهم في انتظارها بالبيت وقد اخذوا زوجها إلى المعتقل قبل أن تراه وبعد أن ضربوها وأكالوا لها السب والشتم أخذوها إلى المعتقل هي الأخرى تاركة وراءها أربع بنات وولدين أصغرنا أخي الصغير الذي لم يتجاوز عمره العام الواحد.
واخذ أخي الصغير يبكي يريد أن يرضع من أمه ولا يعلم أين هي لقد اسودت الدنيا في عينينا و احلولكت والوقت يمضي وأمنا لم ترجع بعد لقد تأخرت ماذا نفعل ؟ كيف سنتدبر أمرنا ؟ أكبرنا أختي ابنة الثلاثة عشر ربيعاً و التي تكبرني بسنتين فقط ، وبعد ما فكرنا ملياً أخذت أختي ثمرة مانجو ناضجة جدا وكشطت جزءها المدبب ووضعتها في فم أخي لكي يسكت ولا يكتشف مكاننا بصراخه




رد مع اقتباس