3- 《《《《
مرت اللحظات كأنها شهور ونحن مختبئون ننتظر أمنا ، ولكن خوفنا جعلني أنا وأخي الأصغر مني مباشرة نتعقب أمي وما إن وصلنا إلى البيت اكتشفنا أننا وقعنا في كمين الانقلابيين ، لم يكونوا من الزنجباريين أو من سكان جزيرة زنجبار عرفناهم من لكنتهم ولهجتهم وبنيته الجسمانية كانوا اقرب إلى البر الكيني وكانوا مدججين بالأسلحة والمسدسات واخذوا يسألوننا عن باقي إخوتنا ونحن ننكر أن لنا إخوة لكيلا يقعوا في الكمين و لكن عامل المزرعة الإفريقي الذي كان يعمل في مزرعتنا ويأكل معنا خاننا حيث كان هو دليل الغوغائيين على ممتلكاتنا وأخذ يخبرهم بأن لنا إخوة وأخوات وبعدما ضربونا وجرجرونا أخذ أحدهم مسدسه ووضعه على عنقي قائلا إن لم تخبرينا عن مكان إخوتك سنقتلك هنا توقف الدم في جسمي ونظرت إلى أخي نظرات الوداع ، لأنني ميتة لا محالة لم ينفع التوسل ولا الاسترجاء ولا التورية ولا البكاء ـ (في هذه اللحظة خنقت أمي العبرة وهى تروي لي هذا الحدث وأوشكت على البكاء وأنا شغوف بمعرفة المزيد) ـ ولكن أخي قال لي باللغة العربية لكيلا يفهمنا الانقلابيون من الأفضل أن نخبرهم بمكان اختبائنا لأنه عاجلا أم آجلا سيجدونهم وأخاف أن يقتلوك ومن الأفضل أن نحيا معا أو نموت معا ، استحسنت فكرة أخي وتبعونا إلى مكان اختبائنا وسألونا عن أخي الصغير من أمه فقالت أختي الكبيرة انه ابني قالوا أنت صغيرة وهذا ليس ابنك ولست ملزمة برعايته فأرادوا أن يضعوه في صندوق السيارة التي ستأخذنا إلى المجهول لكي يتخلصوا منه ومن صراخه ولكن أختي رفضت ذلك بشدة ووضعته بين جنبيها إلى أن نصل لم يسمح لنا أخذ ما تبقى من أغراضنا حتى الملابس وفي الطريق رأينا الناس تضرب وتهان ونحن نرتعد خوفا من المصير المجهول لا ندري ماذا سيفعل بنا ولا ندري ماذا حل بأمنا وأبينا ؟ كأننا نساق إلى الذبح ، ولكي ننجو بأنفسنا أخذنا نردد كلمات مؤيدة لـ”عبيد كارومي” زعيم الانقلاب ، ويبدو أن الفكرة نجحت وبدل أن نعدم أخذونا إلى المعتقل وهو عبارة عن بناية كبيرة أظنها مدرسة يحيط بها سلك شائك وبها حراسة مشددة وخلفها معبد للهندوس يقومون بحرق موتاهم هناك ، وما إن وصلنا قبيل غروب الشمس أخذنا نبحث عن أمنا وبعد عناء وتعب وجدناها تبكي هنا رجعت إلينا روحنا والتقطنا أنفاسنا إنها أمي حية ترزق كأننا ولدنا من جديد امتزج الحزن بالفرح والبكاء بالابتسامة مشاعر مختلطة وأخذت تحضننا وتقبلنا وتضمنا إليها كانت تظن أننا عدمنا ، لقد نجونا والحمد لله ولكن ماذا عن أبي ؟ كيف حاله ؟ هل هو في عداد الموتى ؟ أم مازال حيا يرزق ؟ مرت الأيام والليالي ونحن نلهج بالدعاء لأبي الحنون بالنجاة والسلامة ، مضت ثلاثة أشهر ونحن في المعتقل لا لباس لنا سوى ما تبرعت به الجمعيات الدولية من ملابس مستعملة نستر بها أجسادنا و لاندري عن أبي أي شئ ؟ كنا نسمع أنين المرضى والجرحى ونرى فظائع الانقلاب على أجساد من بقي على قيد الحياة في المعتقل ، ولكل واحد منهم قصة أفظع من الأخرى منهم من ذبح أبواه أمام عينيه وليس له راع يرعاه في المعتقل ومنهم من بقر بطن أمه أمامه وهى حامل ، هذه تعرضت للتعذيب وتلك تعرضت للاغتصاب ، ومنهم مقطع الأوصال ، ما أفظعهم من اناس ليس بهم ذرة رحمة أتوا من براري إفريقيا لا يعرفون أي شئ عن زنجبار يقتلون كل من يلبس الدشداشة والعمامة البيضاء ومن سلم منهم تعرض للتعذيب والاعتقال وكانوا يعتمدون على الوشاة والخونة من أهل الجزيرة ليدلوهم على بيوت العرب والمسلمين ، وبعد مضي أكثر من ثلاثة أشهر استتب الأمر للإنقلابيين وربما رأوا أن كثرة المعتقلين عبء عليهم ولابد من التخلص منهم سواء بالإعدام أو التهجير واخذوا ينادون في المعتقل الخاص بالنساء والأطفال بأن من أراد أن يتعرف على رب أسرته من معتقل الرجال في ساحة ” نازي موجة ” يركب معنا لكي يسهل لهم لم شملهم والبقاء أو الهجرة من زنجبار ذهبت أمي ومعها أختي الكبرى ليبحثوا عن أبي لعله على قيد الحياة ، وبعد أن وصلوا إلى معتقل الرجال أخذوا يبحثون عنه إلى أنه وجدوه وقد أعياه التفكير وشاب رأسه من التعب ومن هول ما رآه واندهش لرؤية أمي وأختي كان يظنهم قد ذبحوا مع البقية ولكنها عناية الله فوق كل شئ ، وبعد أن اطمأنت أمي عليه رجعت إلى المعتقل ولبثنا حوالي شهر وخلال هذا الشهر أخبرنا بأننا مخيرون بين البقاء في زنجبار أو الرحيل إلى عمان ولكن أبي فضل الرحيل والرجوع إلى ارض الأجداد عمان وقبل موعد الرحيل سمح لامي الذهاب إلى المنزل لأخذ ما يمكن أخذه ولكن لم تجد شيئا فالغوغائيون سرقوا كل شئ حتى الساعة انتزعوها من يد أبي ، ركبنا السفينة ونحن خاويي اليدين لانملك سوى تبرعات الجمعيات الخيرية من ملابس ومؤن ، وهنا حان وقت الفراق فارقنا أرضنا التي ترعرعنا وتربينا فيها ولم تطأ قدمنا وطن غيرها قد كان موقف مؤثر فينا جميعا نبكي لفراق أرضنا ونبكي للم شملنا ونبكي لنجاتنا من الموت المحقق ، خرجنا منها ونحن في أزمة نفسية حادة كوننا لازلنا اطفالا ونرى مجازر وهددنا بالموت وتعرضنا للتعذيب والضرب يالها من مواقف قاسية ومؤلمة وفوق كل ذلك هجرنا وطننا ، وبعد أن قضينا أربعين يوما في البحر على سفينة شراعية وصلنا مطرح وكانت شديدة الحرارة والشمس حارقة لم نتعود على هذا الجو من قبل وخرجنا من السفينة حفاة ليس لدينا أحذية ولانعل لقد وجدنا بعض أهلنا بانتظارنا حيث اشتروا لنا ما نحتاجه إلى أن نصل إلى البلد .