إن الدول والحضارات التي سارت على نهج الظلم والفساد لم تستمر طويلًا، فمهما بلغت من القوة العسكرية كقوة الدولة الفرعونية ﴿ وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ * فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ﴾ [القصص: 39-40]، والضخامة في البنيان كقوم عاد ﴿ فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ﴾ [فصلت: 15]، والروعة في المعمار كقوم ثمود ﴿ وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ ﴾ [الشعراء: 149]، فلا بد وأن يكون مصيرها مثل مصير الأمم التي سبقتها وبلغت أكثر مما بلغت من القوة والشدة والبطش، وقد ضرب لنا التاريخ أمثلة بعاد وثمود وفرعون، ولا تزال هذه الأمم عبرة لما يليها من الأمم، تلك الدول أو الحضارات ظلمت العباد، فعشعش الظلم في جنباتها، وأضحت كالليل الطويل يملأ الكون بالظلمات، وبلغت درجة الطغيان في الفساد، لكن الله كان بها لبالمرصاد، فمهما بلغت من القوة المادية فإنها إذا لم تبلغ ذات القوة الاجتماعية بتقديم الإعانات والرعاية اللازمة للضعفاء، ولا ترأف لحال المسكين، بل على العكس من ذلك تهضم حقوق الضعفاء، لتأكل ميراث اليتامى أكلا لما، وتؤمن بفلسفة مادية تقوم على تقديس المال تقديسا جما، فملكها زائل لا محالة، ولذلك تسطر السورة في خاتمتها مشاهد من يوم القيامة يوم العرض على الجليل الكبير؛ حيث يأتي الناس إلى الله تعالى بعد أن انهارت الأرض ودكت حضاراتهم المادية دكًّا دكًّا؛ حيث لا ينفعهم من ذلك غير ما قدموا من عمل صالح تخاذلوا عن فعله في الحياة الدينا، فيكون المصير إلى جهنم، لتختتم السورة بنداء إلى النفس التي اطمأنت بذكر الله تعالى ولم تأبه إلى مفاتن هذه الدنيا، ولا إلى شواغل هذه الحضارات، ولم تئن من ظلم الظالمين ولم تشكو إلا لله رب العالمين، فاطمأنت بذكره، واستشعرت فضله، لترجع إلى ربها راضية مرضية، فقد عوضها الله تعالى بخير مما فاتها، لتدخل الجنة وتسكن دولة الرضا في دار النعيم.