استقبلنا الدكتور، محمد رجب، أستاذ المناهج وطرق التدريس بجامعة الأزهر، في غرفته الممتلئة بالكتب وهو يعتذر لنا عن عدم وجود مكان للجلوس، ففي كل شبر من الغرفة يوجد كتاب أو مجلد، يتحرك أمامك ذهاباً وإياباً دون أي حرج خاصة وأنه يزحف على صدره، تارة يفتح لك الباب وتارة أخرى ليقدم لك واجب الضيافة ومرة ثالثة وهو يريد أن يستشهد لك من أمهات الكتاب على ما يقول، فما يقول شيء إلا واستشهد بكتاب أو مرجع، يعرف أماكنهم بالضبط من غرفته، كنا في غاية الاستياء من الإرهاق الذي سببناه لهذا العالم الكبير الذي لم يسمع عنه أحد شيئاً، هذا الرجل الذي سبق بعلمه كل من له عينان أو كان بصيراً، وسبق بعلمه كل من يتحرك دون عجز خاصة وأنه مصاب بشلل في قدميه يمنعه من الحركة أو الوقوف كالأسوياء.
سألناه عن أمرين فرفضهما راجياً، الأمر الأول قصته في هذه الحياة وكيف أنه وصل إلى ما طمح إليه وهو عاجز والأمر الثاني أن نلتقط له صوراً، رفض طلبنا الأول، رغم أننا قلنا له إن هذا الموضوع الصحفي لن ينشر في مجلة مصرية وإنما في مجلة عربية فالهدف نشر قصتك ليتعلم منها الناس لا لشيء آخر ولكنه أصر على الرفض، ورفض التقاط صوراً له، بدعوى أنه لا يريد شيئاً من الدنيا وأنه يرفض الشهرة والإعلام وأنه مستعد فقط لإعطاء درس علم لا دون ذلك.
رفض في البداية أن نشير لاسمه في موضوع يتحدث عن البارزين من ذوي الاحتياجات الخاصة وكيف أنهم استطاعوا أن يحققوا نجاحات ويغيروا مسار حياتهم؛ فمنهم من استطاع أن يصنع ما عجز عنه الأصحاء، تمسكنا بضرورة أن يعرف الناس هذه الشخصية، خاصة وأنه رفض أن يتحدث عن تجربته وتركنا نصفها كما نراها.
حاولنا معه بكل الطرق مستخدمين التأثير النفسي حتى قلنا له إن هذه القصة ربما تفيد الشباب كثيراً وهي أبلغ من أي درس ربما يلقيه عالم على شاب، ولكنه أصر على الرفض وتمسك بموقفه السابق.
عالم وداعية يثق فيه الناس، بدأ حياته من الصفر ينتمي لأسرة فقيرة، أتم تعليمية بصعوبة شديدة ليس لمستواه التعليمي فقد حصل على الدكتوراه وعين أستاذاً بكلية دار العلوم وتخصص في الشريعة الإسلامية ولكن لقلة ذات اليد فأسرته لا تجد ما تنفقه عليه فهي أسرة بلا عائل فوالده توفي وهو صغير السن.
د. كريم عوض، أستاذ الشريعة بكلية دار العلوم، لا يحرك قدميه، فقد أصيب بشلل أطفال منذ كان صغيراً كما أنه يعاني من ضمور بعض العضلات في يديه تمنعه من الحركة.
حكى لنا قصته في عجالة سريعة دون أن يكون مهتماً بذلك نظراً لانشغاله بمحاضرة لطلابه: قصتي تتلخص في أنني كنت أريد أن أكون أفضل من كل الناس وأن أنتصر على عجزي هذا وأن أوفي والدتي الكريمة التي توفيت حقها بعد أن أرهقت كثيراً في تربيتي وأن يدخل والدي الجنة، ورأيت أن كل هذا لن يتحقق إلا بجدي في التعليم حتى أتم الله فضله ونعمته فحصلت على درجة الليسانس ثم الماجستير والدكتوراه وعينت بذات الكلية التي تخرجت منها.
ويضيف، كانت تواجهني مشاكل كثيرة في مراحل التعليم المختلفة أولها عدم وجود مصدر دخل فكنا نعتمد على الصدقات، كما كانت تواجهني مشكلة الوصول إلى الكلية فمرة كنت أطلب من شخص يحملني على كتفه ومرة أخرى كنت أحاول الوصول بنفسي وكان ذلك يستغرق وقتاً طويلاً للغاية، خاصة وأنه لم يكن متوافراً معي ثمن استئجار سيارة.
واجهت ووالدتي الكثير من المشاكل حتى إتمام مرحلة الليسانس، فوصل بنا الأمر أننا كنا نصوم وبالطبع لا نأكل إلا وجبه واحدة عند المغرب لنوفر ثمن شراء الكتب، فصحت أبداننا بفضل الله تعالى وحققت نجاحاً كبيراً وحصلت على الماجستير بتقدير جيد جداً وعينت معيداً بالكلية، واستكملت دراستي لباقي الدرجات العلمية «ماجستير» و«دكتوراه»، وحصلت على جائزة الدكتور المثالي العام الماضي في الكلية وهذه الجائزة لا يحصل عليها إلا من انتظم في محاضراته وكان مثالاً لغيره ولم يضغط عليهم لشراء كتابه، فكان مثالاً في كل شيء.
يقول أيضاً، إنه قدم مقترحاً لرئيس الجامعة لرعاية الطلاب ذوي الاحتياجات الخاصة وتقديم كافة التسهيلات لهم حتى ينبغ فيهم من ينبغ وتتاح لهم الفرصة كاملة، فكثير منهم عنده إرادة كبيرة ويريد أن يتفوق ولكنه يحتاج إلى من يقدم له المساعدة.
وأنهى كلامه، بأن الدولة لا تهتم كثيراً بالمعاقين ولا تلقي لهم بالاً وتتركهم يعانون دون توفير احتياجاتهم الأساسية والرئيسة، وهذا يعني أن الشعب ليس عنده ثقافة تجاه هؤلاء المهمشين.