يقول :
كثيرا ما كنت اختلي بنفسي ،
وقد حددت يوم الجمعة
موعدا أسير فيه
في مناكب أرض بلدتي ،

أهيم بوجهي في :
الوديان
ثم
أعتلي الجبال
لتكون لي هناك جلسة ووقفة تأمل
أتأمل فيها ما حولي من :
جبال
و
هاد
و
وديان

وتلك الطيور التي تحلق فوقي ،
وذاك الجاري من المياة
التي تشق صدر الجبال
متدفقة كالوديان ،

أسبح حينها بفكري ،
أغوص في ذاتي ونفسي ،

وذاك الهدوء الذي من وقعه لا أسمع غير
أنفاسا تترادف ،
ولسانا يذكر الله ،
وقلبا ينبض بحب الله .

أترنم بذاك لأنسجم مع ترانيم
الكون الذي يلهج بذكر الله
" الذي لا نفقه تسبيحه " .

الذي لا يفتر عن ذكر الله
" من الذرة إلى المجرة " .

عشت ذلك الحال سنوات ،
وقد انعكس ذاك على روحي ،
ليهذب مني :

عاداتي
و
عباداتي
و
سلوكي

" كنت أعيش ذاك السلام الروحي الذاتي
في أعظم صوره وجمال تجلياته " .

مما زاد من قربي من الله بحيث :
" أستشعر المقام وعظمته عندما
أقف عند باب الله ،
فأغيب بذاك عن عالم الشهود ،
وكأن من في الكون نالهم الفناء ،
لأبقى وحدي أناجي الحي القيوم .

غير أن ذاك النعيم خفت ،
وأفل نور سناه !
وخبت جذوته بعدما
شغلتنا الحياة !

نعم ؛
أقولها هروبا من ملاحقة الملام !
وما ذاك في حقيقته إلا هروب للأمام !

وما هي إلا واحدة من تلكم
" الشماعات "
العديدة التي نعلق فيها :
فشلنا
تكاسلنا
غفلتنا
و
تلك الخيبات !

يقول :
عندما كنت أعيش تلك الحياة أعيش مع جملة الناس بسكون وراحة بال،
مهما تباينت فيهم الطباع وامتزجت طباعهم بذميم الخصال ،
ونسمع منهم قبيح الكلام ،
ونصادف من يستفزنا
بسوء الفعال !

فعندما يأتينا الجاهل منهم ،
يلفظ ما في قلبه ليلقيها
في سمعي حينها :

" في عمق محيط قلبي تتلاطم الأمواج بتلك التيارات ،
والسطح يملأه السلام والاطمئنان " !


دعوني أصف لكم ما حقيقة ما يحصل
في قلب ذلك الإنسان ؟!

عندما تصل " أقوال وأفعال "
ذاك المعتدي تحدث في قلبه جلبة ليثور القلب كالبركان ،
ولكن بعد فترة يخمد ثوران ذلك البركان بعدما يطوقه
ذ لك النور نور :
الإخلاص
و
النقاء
و
الإيمان

فقد جابه وقابل تلك الإساءة بذاك العفو والغفران ،
لأن من كانت تلك حياتهم دوما مع الله
لا تمازج وتخالط قلوبهم شهوة الإنتقام ،
أو النزول إلى تلكم الدركات !

" فليس لديهم وقت لتلك
المناكفات والحزازات " .

وفي ذلك الموقف الذي حصل بين ذلك الأخوين ،
تتجلى لي صورة من تلقى " تلك الضربات " ،
فقد تلقاها وأتبعها بذكر الله ،
كنت أسمعه يردد :

" أستغفر الله " .
" لا حول ولا قوة إلا بالله " .
" أعوذ بالله من الشيطان " .

فقد كان يستعين بالله ليخلصه من ذاك الصراع
الذي يموج في قلبه ،
حتى غلب ذكر الله
وسوسة ذلك الشيطان .

" إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ
تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ " .


في المحصلة :
" من عاش في كنف الله وأدمن قربه ،
ومناجاته ،
والأنس به في جميع أحواله وأطواره ،
وفي منشطه ومكرهه أتاه المدد الرباني ،
واغترف من فيوضات كرامته ،
وفضله ،
ورحمته " .

" ليكون بعدها عبدا ربانيا "

" تلك جوائز من أخلص لله ليكون ظاهره كباطنه ،
وليكون بذاك من خاصته الذين هم أهل ولايته " .

من هنا نعرف معنى :
" دع الماء يسكن في داخلك"
لتكون نتيجة ذلك ؟
لنرى :
قمرا
و
نجوما تنعكس في كياننا " .


الفضل١٠