(( الجزء الثالث ))
نزلت راسي في حضني..وكلي رغبة بالبكاء..ابا ابكي ..لكن ما عندي رغبة اني ابكي فالحضن اللي لمني طوال السنوات الماضية....لمجرد تفكيري بهالطريقة ..حسيت اني ناكرة للمعروف..خالتي اللي رعتني ..لمتني...احيتني من جديد بعد فقداني لأمي وابوية...ودفعتني لتحصيل اعلى الدرجات بدراستي...طوال السنين اللي كانت تحضر فييها الماجستير ومن بعدها سنين عملها فأستراليا كانت ترجع مهدوده ..بس ما تبين تعبها ..ترجع وتهتم بي وبأمور البيت والمطبخ..!بس ليش....ليش تخفي عني مسألة حساسة مثل كذا...ليش كانت تبين لي انه اهل ابوية ما يبوني...ليش.....؟؟؟
رفعت راسي ..على صوت خالتي..اللي كانت جالسة فالكنب المقابل
( لأني عاقر يا عليا ...ما اقدر انجب...انتي ووظيفتي كل حياتي...ما ابا اتزوج وانا اعرف اني ما راح انجب..وراح ادخل في مشاكل ما لها حصر....بس مع وجودك انتي بنتي ..وانا اقدر اعطيك واوفر لك كل شيء تبينه ...وما اقدر افرط فيك ..لذلك اضطريت ازور أوراق تثبت انه حضانتك لي...وهربت مثل ما قال عمك ابو خالد...لأنه الحضانة كانت لهم....هربت لأني ما اقدر اخليك..)
ويش اقول ...احس بالنيران تشتعل بداخلي....ويش ينقال في مثل هالموقف....جريان دموع خالتي ما وقف...ابا اخفف عنها....بس كيف ...ما اقدر اعطيها شيء...ولا اني اوعدها بشيء...
لأني اعرف ان الأمور متعقدة بشكل خطير...بسبب ولوجها في المسائل القانونية...اللي زادتها تعقيد...
تكلمت خالتي من جديد...والدموع ما زالت تنحدر من وجنتيها المحمرات بشدة تأثرها
( لكن....) .....بعدها ضحكت بأسى وقهر ..
: ( كنت اعرف انه هاليوم راح يجي ..كنت انتظره من لما رجعنا للسلطنة...كنت دايم متأكده انهم راح يجو ويطالبوا فيك.........كنت متأكده...) ..
ثم دخلت في دوامة بكاء عنيفة ..وركضت باتجاه جناحها وقفلت الباب ..قبل حتى لا ترف عيني....
( آآآه ) تنهيدة عميقة طلعت مني...ويش كان هاليوم الغريب...ليت احداثه كلها حلم ...
بس انا ادري انه مو حلم.....هذا إحساسي اللي كان يراودني خلال الفترة الماضية...وتذكرت للحظة الدكتور باسل وعيونه الغريبة بلونها الناري...لو انه بنت كنت راح اقول اكيد انها لابسه عدسات ..بس لا انا متأكده انه عيونه طبيعية لأن هاللون متوافق مع حدة صوته...وبشرته السمراء وضخامة جسمه ..كتلة من الرعب...!
صحيت على صوت العاملة ...فاطمة وهي تسألني ( اليا يبي اشا الهين)...
اي عشا...الأكل آخر حاجة ممكن تجي على بالي...بس ما يمنع كوب شاي يروق اعصابي..بس وييين الشاي ..!!!انا اليوم كسرت دلة الشاي والقهوة بطيحتي...!! ما بقى إلا آثار الزجاج..!! خلني اقوم اسويلي كوب شاي بنفسي...
قلت لها ( لا ..مابا شيء يا فاطمة ..انتي روحي تعشي ..ونامي ..)
صباح اليوم الثاني ..نهضت للمره الثانية لأني بعد ما صليت الفجر رجعت انام ..البارحة ما نمت إلا قبل الفجر بشوي...عالساعة سبع كنت افكر محتارة اداوم اليوم ولا ....؟ بروح أسأل خالتي..
رحت الصالة بس محد فيها..رحت المطبخ ..اخذت كوبين نسكافية بإيدي..ودقيت باب جناح خالتي ..انفتح الباب ..وكان وجه خالتي مرهق لأبعد حدود...صبحت عليها وعطيتها قبلة صباحية على الخد..واعطيتها كوب النسكافية..ابتسمت وخذت الكوب ورجعت على صالة جناحها...عرفت انها ما راح تداوم لأنها لابسه بيجامتها...جلست فسريرها ..وانا بالكنب المقابل..
قلت لها وانا ابتسم ( كنت اتمنى هالإجازة..بس في ظروف غير هالظروف ..نطلع فالأسواق او عالبحر ونفلها..بس للأسف هالإجازة ما ترقى للمعايير اللي فبالي)
ضحكت خالتي بخفة ..وقالت بشرود( راح تملي من الإجازات حبيبتي راح تملي..)
انتابني الذعر لأخمص قدمي( وش قصدش يا خالتي )
حطت عينها بعيني...ثم قالت ( ما احيدش تفهمي متأخر...انتي تعرفي ويش اقصد)
حطيت كوب النسكافية بالتسريحة..والتفت لها من جديد( لا يمكن ..خالتي...انا مستحيل اقدر..انا....)
قبل لا اكمل كلامي قالت ( اسمعيني يا عليا .. انا كنت واعية لنظرات الألم اللي حسيتيها لما قالوا عمك وولد عمك عن رغبة عائلة ابوك في ضمهم لك....مثل ما كنت واعية دايماً لشعورك بالنقص تجاه لمة العائلات... وانا متأكدة انش راح تتأقلمي مع عاداتهم بسرعة... عالية ترى ما يخفى علي نظراتش للبنات اللي متغشيين.. وانزعاجش من الإختلاط وكذا ... حتى لو ما تتكلمي.. او حتى لو ما تشوفي احد من معارفنا كذاك .. انا متأكدة بأنه هذي حاجة فطرية او يمكن تكون جينية فيك)
صدمة بعد صدمة.... هذا كان كلام خالتي....لوين تبا توصل... ايش تبا تقول بالضبط...
قلت باختناق( يعني كيف ...انا ما فاهمه...؟)
قالت بحدة مو متعودة عليها وبلهجة عامية تامة ..توضح فقدانها لأعصابها ( يعني جهزي شنطش... واغراضش... واهلش راح يجو مثل ما قالوا العصر.. فخليش جاهزة)..
قلت برجفة ( وانتي)
ردت علي بحدة مماثلة لسابقتها ( انا راح اظل هنيه اكيد فبيتي...واروح لشغلي )!
قلت لها واحس الدموع تشق طريقها لوجنتيه..( تبينا نتفارق ببساطة..بعد كل هالسنين ..بعد ما تعلقت فيك...تبيني اروح لناس ما اعرف عنهم شيء...مستحيل اللي تقوليه يا خالتي مستحيل)
قالت بفقدان اعصاب ومن دون اكتراث لدموعي ( يعني مو تبيني اسوي هاه ..تبيني اتبهذل بالمحاكم ...ولا تبيني اعفن بالسجون..واخسرش واخسر وظيفتي..ايش راح استفيد انا بعدين ..)
قلت وانا اشهق( هم بس يخوفوك يا خالتي ...ولا مستحيل ..مستحيل يلجأو للإدعاء العام والمحاكم...) حسيت بالصدر اللي لطالما لمني ..حاضني بقوة ..كنت احس بدموع خالتي تغسل شعري ...واحس باهتزاز صدرها ...آه لا يمكن افارق هالحضن ..وهالإنسانة اللي تشكل كل شيء بحياتي..انا ما اقدر اعيش من دونها ...ما اقدر...
مرت دقايق واحنا على هالحال ...احس كأن خالتي تتودع مني...! اعوذ بالله ويش هالكلام ..
بس اللي قالته عقب اكد لي صحة هالشيء...
خالتي مسحت دموعها ..وقالت بحده..غريبة عنها ( خلاص يا عليا ..الأمور خارج نطاق السيطرة ..وحتى نكمل حياتنا بشكل صحيح..لازم نرضخ ونستسلم وكل وحده فينا تواصل حياتها..انا راح ارجع استراليا اكمل الدكتوراة ..واذا حصلت بعثة حكومية ابا اروح امريكا..واحقق حلمي ..وانتي راح ترجعي مع اهلك وتكملي حياتك...لكن بقائنا مع بعض يشكل عائق...امامنا)
مسحت دموعي ..واخذت نفس قوي ...الحمدلله ان العقلانية احدى طباعي ..
والا لكانت الهستره هي الرائد في هالموقف ...سألتها بهدوء( تسافري لوحدك ...)
بعد صمت خفيف اجابت ( اكيد)..ثم اردفت ..( لا تزيدي فالكلام انا عارفة وين تبا توصلي)
عيونا تشابكت في نظره غريبة...ثم هزت خالتي رآسها وقالت
: ( الوقت يمر بسرعة ..روحي قولي لفاطمة تساعدك في تجهيز الشنط ..وانا راح اجهز اوراقك القانونية ...واتوقع انه راح تسافروا بطريق البر..لأنه عمك ما شال جواز السفر )
على مائدة الغدا ..القبولي ( الكبسة ) ما لها طعم ..! حتى مع وجود المقبلات المحببه لي ...بس قدرت ابلع بعد ثاني ملعقة ..شربت كوب الماي...واسندت ظهري على الكرسي......
وفاجئنا جرس الباب..
سقطت عيني بعين خالتي ..الحزن العميق واضح ..بس كانت تقاوم ..انها متأكدة انها كذاك هذي خالتي ..وانا فاهمتها...راحت فاطمة تفتح الباب ورجعت تقول ( هزا رجال يقول وين اليا)
اغمضت عيوني بألم ..وشفت الساعة ما تعدت الوحدة والنصف..كيف جو الحين ..وهم قايلين انهم راح يجوا العصر ..
خالتي فثواني لبست عبايتها وشيلتها وشلت شنطة كبيرة وقالت لفاطمة تشيل الثانية وقالت
: ( عليا البسي عبايتك وشيلتك ..وحطي شيلة احتياط ...يعني ..في حال قال عمك تغشي غطي بها وجهك..يلله حبيبتي لا تأخريهم مو حلوه يظلوا واقفين برع ) ثم طلعت باتجاه الباب الخارجي
ما راح ابكي ...ليش ابكي..هذا اللي ربي كاتبنه ....بس احس نار بجوفي نار فقلبي نار..رحت بسرعة دورة المياة رشيت ماي بارد على وجهي ..وتوضيت تحسباً لصلاة العصر ..طالما انه السفر عبر البر ..خليني اكون متوضية احسن...لبست عبايتي الكتف وشيلتي تحجبت فيها وباقي شيلاتي فالشنط ويش اسوي الحين ...بويش بتغشى .....الله يستر...!!
طلعت والرجفة تزيد مع كل خطوة اخطوها ..صكيت باب غرفتي وتعديت الصالة حسيت اني راح اختنق طلعت باسرع ما يمكن من البيت سرت باتجاه الباب الخارجي وشفت عمي بوخالد عيونه بالأرض وخالتي قدامه جالسة تكلمه ..ابتسم بخفة لما شافني جاية بس نظرة عدم رضا سريعة مرت بعينه ..اكيد ان عبايتي وعدم تستري هو السبب...!!
( وهذي عليا جات ) قالت خالتي بابتسامه ما وصلت ابد لعيونها
وقال عمي ( مرحبا يا عليا ... نتظرك بالسيارة لا تتأخري علينا) وبعدها راح
قالت خالتي بصوت محمل بالشجون ..لكنه محافظ على هدوءه
عليا حبيبتي ..طمنيني عنك اول بأول ..ردي على اتصالاتي..وايميلاتي ..دايماً حبيبتي..وبكل زيارة لك لمسقط مري علي..وانا بعد اذا ما سافرت اكمل دراستي ..اكيد اني راح اصيف بصلالة عندكم..عاد اكيد انك راح تكوني محظوظة بتواجدك فقلب الخريف..)
ما قدرت استحمل كلامها ..حسيته تحول هذيان محمل بمشاعر جياشة عانقتها بقوة ..وانا ودي اتم كذا للأبد ..لكن ...الفراق طبيعة في الحياة لا بد منها...
قالت باختناق ( اوعديني )
قلت لها ( اوعدك يالغالية اوعدك..انتي خالتي وامي وكل حياتي ..وانا ملزومه ابرك ..واوصلك ..ومهما ابتعد عنك هالجسد ..تأكدي انك ساكنة هنا بوسط قلبي ..)
ثم اردفت بسرعه ( الظاهر اني تأخرت ..استودعك الله ..ونلتقي على خير) ..طلعت ..وانا احس حلقي مخنوق ..ما اقدر حتى ابلع ريقي...والإرتجاف ما فارقني..باب السيارة الخلفي مفتوح جزئياً..فتحته بالكامل...وجلست ...ثم قفلت الباب وانا احس اني فاقدة كل شعور




عليا حبيبتي ..طمنيني عنك اول بأول ..ردي على اتصالاتي..وايميلاتي ..دايماً حبيبتي..وبكل زيارة لك لمسقط مري علي..وانا بعد اذا ما سافرت اكمل دراستي ..اكيد اني راح اصيف بصلالة عندكم..عاد اكيد انك راح تكوني محظوظة بتواجدك فقلب الخريف..)
رد مع اقتباس