(الحلقة الثانية)
جهاد السلطان سليمان القانونى :
استطاع السلطان سليمان القانونى ان يوسع رقعة الدولة الإسلامية فى ثلاث قارات حتى أصبحت دولة مترامية الأطراف , وكان سبيله فى تحقيق هذا الهدف هو سيفه ودرعه !!
لكم ان تعلموا ان المؤرخين ذكروا ان عدد ما افتتحه السلطان سليمان القانونى فى حياته من الحصون والقلاع والمدن ما يناهز 360 حصنا !!
وما علمنا ان من قادة المسلمين قديما وحديثا افتتح مثل هذا العدد !!
تعالوا نرى نبذا من جهاد السلطان سليمان القانونى وسأكتفى بالمحطات الرئيسية ...
فتح بلجراد ( 25 رمضان 926هـ , 31 أغسطس 1521م)
عندما جلس السلطان سليمان القانونى على كرسى الخلافة , كان أول ما فعله هو إرسال رسالة الى ملوك أوروبا يُعلمهم بتوليه الخلافة ويأمرهم بدفع الجزية المقررة عليهم كما كانوا يفعلون فى عهد أبيه السلطان سليم الأول .
فما كان من ملك المجر إلا أن قتل رسول السلطان سليمان !!
فاستشاط السلطان سليمان غضبا وانفعل قائلا : أيُقتل سفير دولة الإسلام !!! .. أيهددنى ملك المجر !!
فما أصبح الصباح إلا وقد أعدّ السلطان سليمان جيشا جرار مدعوما بالسفن الحربية وكان السلطان سليمان بنفسه على رأس هذا الجيش وكان قاصدا مدينة بلجراد المنيعة والتى تُعد بوابة أوروبا الوسطى وحصن المسيحية كما كانوا يطلقون عليها !!
ولكم أن تعلموا ان محمد الفاتح رحمه الله حاول أن يفتح بلجراد ولكنه فشل , بل وأصيب إصابات خطيرة أثناء حصارها ... ولما انصرف عنها قال : عسى ان يخرج الله من أحفادى من يفتح تلك المدينة على يديه !!
فبلجراد كانت لها مكانة عظيمة فى قلوب النصارى وخصوصا بعد سقوط القسطنطينية وسمّوها (حصن المسيحية) !!
حصار محمد الفاتح لبلجراد 1456م
ويذكر المؤرخون ان السلطان سليمان عندما كان وليا للعهد كان يمنّى نفسه بفتح بلجراد التى عجز أجداده ( مراد الثانى , محمد الفاتح , بايزيد الثانى ) من فتحها !!
توجه السلطان سليمان القانونى على رأس جيش عرمرم مكوّن من كتائب الإنكشارية الذين ما ان يسمع النصارى فى أوروبا باسمهم يأخذ الرعب منهم كل مأخذ وترتعد فرائصهم ,ومزود بأعتى المدافع والأسلحة يمدهم 3 آلاف جمل محمل بالأسلحة و30 ألف جمل محمل بالمهمات وسفن تحمل الخيول و50 سفينة حربية و مئات من المدافع العملاقة الفتاكة التى كانت فخر الجيوش الإسلامية ..
وبالفعل يبدأ السلطان سليمان فى حصار قلعة بلجراد , وبعد شهرين ونصف من الحصار تسقط قلعة بلجراد فى 2 رمضان 927هـ , ثم دخل السلطان سليمان القانونى المدينة نفسها فاتحاً يوم 26 رمضان 927هـ ... !!
وكان يوماً مشهودا , وأمر السلطان سليمان أن يرفع الآذان من القلعة , ويذكر صاحب كتاب "تاريخ بلجراد الاسلامية" نقلاً عن صاحب يوميات السلطان سليمان الى بلجراد " بعون الله تعالى تم اليوم فتح قلعة بلغراد ... وارتفع صوت المؤذن من القلعة" , ونزل خبر سقوط بلجراد على النصارى والبابا فى روما كالصاعقة وارتعدت فرائصهم من الرعب !!
وعلموا وقتها أنهم أمام سلطان من طراز فريد , وعلموا أنه سيعيد لهم سيرة بايزيد الأول ومحمد الفاتح , فوقعت هيبته فى قلوب ملوك أوروبا قاطبةً , وبعث اليه ملك روسيا والبندقية وسائر ملوك أوروبا يهنئونه بالفتح ويعطونه الجزية عن يدٍ وهم صاغرون !!
ومن يومها سمّى المسلمون بلجراد (دار الجهاد) وكان منها القاعدة الحربية لانطلاق جيوش المسلمين لغزو باقى أوروبا , واهتم المسلمون بالأوجه الحضارية فى بلجراد حتى سمّاها المؤرخون (أندلس البلقان) وكانت تنعم بأوجه الحضارة بينما كانت سائر بلاد أوروبا لا تعرف شيئا عن أوجه الحضارة ولا عن تخطيط الشوارع ورصفها وإنارتها ليلا !!
مَن مِن المسلمين الآن يعرف شيئاً عن بلجراد الاسلامية !!!
فقد ضاعت كما ضاعت الأندلس , فصدق من سمّاها (أندلس البلقان) فهى شبيهة الأندلس فى حدث إقامتها وحدث نهايتها !!
وظل السلطان سليمان القانونى فى بلجراد حتى عيد الفطر وأقام صلاة العيد فى أكبر كنائسها بعد تحويله الى مسجد ولم ينزل السلطانسليمان من جواده حتى امتطى جوادا آخر مجاهدا فى سبيل الله رافعا كلمة الله خفاقة ...
فتح جزيرة رودس (13 صفر 929هـ , 1 يناير 1523م)
كانت جزيرة رودس هى الشوكة المنيعة التى فى حلق الدولة العثمانية , والتى تمتاز بمناعة وتحصين نادر جدا ورهيب , حتى ان سلاطين المسلمين فى صدر الدولة العثمانية ما استطاعوا فتحها ابدا كمحمد الفاتح !!
وكان يسكن جزيرة رودس نصارى الروم الصليبين المسمون (فرسان القديس يوحنا) الذين طُردوا من بلاد الشام بعد الحملات الصليبية , وكانوا تحت سلطة البابا فى روما , وكانوا على عصبية شديدة جدا ضد المسلمين , فكان طوال مكثهم يغيرون على سفن المسلمين المتجهة للحجاز يقتلون رجالهم ويأسرون أطفالهم ويهتكوا عرض نسائهم وينهبوا أموالهم ..
إحدى قلاع جزيرة رودس
ويقتلون الحجيج ويحرقون سفن المسلمين وكانوا يبغضون المسلمين جدا , ويستغلون حصونهم فى الجزيرة المنيعة , فكانوا على اطمأنان بأن المسلمين لن يستطيعوا ان يصلوا اليهم ..
نهب الصليبين فى رودس أحد السفن الإسلامية التى تُقلّ الحجيج والتجار المسلمين فقتلوهم وحرقوا سفنهم , وعلم السلطان سليمان القانونى بهذا الخبر , فاستشاط غضبا لله وأقسم أنه لن يركن للراحة حتى يفتح جزيرة رودس ويطرد الكفار الملاعين منها !!
وبالفعل أخذ السلطان سليمان استعداده لفتح جزيرة رودس براً وبحراً , واستغل انشغال ملوك أوروبا بالحروب بينهم , وانشغال بابا الفاتيكان بالتصدى لدعوة مارتن لوثر وقيام المذهب البروستانت , فأرسل حملة عسكرية بقيادة مصطفى باشا قوامها 200 ألف جندى مزودين بأعتى المدافع ومعهم 700 سفينة حربية وبدأ الهجوم على أسوار رودس إلا أنهم لم يصيبوا منها شيئا لمناعتها ...
فغضب السلطان وسافر بنفسه ومعه كتائب من المجاهدين وتولى القيادة بنفسه أمام أسوار جزيرة رودس وحاصرها السلطان 6 أشهر كاملة وضيّق عليها الخناق وكان طوال تلك المدة يواصل إطلاق المدافع , حتى بلغ عدد ما أطلقوه من المدافع 220 ألف مدفع !!
والمصادر التاريخية تذكر لنا حالة الطقس أثناء حصار المسلمين لردوس أنها كانت سيئة للغاية فالأمطار تتساقط على المجاهدين , والسماء تبرق والرعد يصمّ صوته الآذان , ومع ذلك لم يفت ذلك فى عضدهم ...
فاستسلم فرسان القديس يوحنا , وأمهلهم السلطان مدة 12 يوما يخرجون من الجزيرة , وأعطاهم أمانا على كنائسهم ودينهم كان هذا ديدن السلطان فى فتح بلاد النصارى بأوروبا ..
إحدى قلاع جزيرة رودس
ودخل السلطان سليمان القانوني جزيرة رودس فاتحاً يوم 13 صفر عام 929هـ الموافق 1 يناير 1523م , وهنا اهتز عرش النصرانية فى روما والعالم النصرانى كله , وخرج فرسان القديس يوحنا منكسين روؤسهم من الذل والهوان متجهين الى جزيرة مالطا , فسكنوها وسموا أنفسهم فرسان مالطا ...
ويحكى لنا المؤرخ عبد الرحيم العباسى الذى شارك فى هذه الحملة ان المسلمون وجدوا فى الجزيرة أكثر من 3 آلاف أسير فى حالة يُرثى لها من التعذيب والقهر والذل , ويقول بأن المجاهدين العثمانيين بكوا عندما رأوا حال الأسرى !!!
وعندما دخل السلطان سليمان المدينة أمر جنوده بتجهيز الكنيسة لصلاة الجمعة , فأُزيلت الصور والتماثيل وصُنع منبر خشبى بسيط لهذه الغاية , وبالفعل أُقيمت صلاة الجمعة وخُطب للسلطان وغص المسجد بالمصلين ولله الحمد والمنة ...
دعونى أنقل لكم ما قاله ووصفه عبد الرحيم العباسى عند دخول المسلمين رودس بعد الحصار – وكان شاهدا هذا الفتح :-
يقول – رحمه الله – فى كتابه (منح رب البرية فى فتح رودس الأبية) :- ( اقراواها بتمعن )
( ثم برز الأمر الشريف بإرسال السَنْجق " لواء الفتح عند العثمانيين" المنصور , واللواء الذى هو لطىِّ الكفار منشور , ليوضع على سور القلعة , بشامخ العزة والرفعة , فذهبوا به على نهاية التعظيم وغاية الإجلال والتكريم , والعساكر الإسلامية به محدقة , وعيون المسلمين اليه مُحَدَّقة , وعيون المشركين مطرقة , وأصوات الطبول والبوقات قد ملأت النواحى والجهات , والأصوات المرتفعة بالتهليل والتكبير , والصلوات والتسليم على سيدنا ومولانا محمد البشير النذير , والسراج المنير , وقلوب أعداء الله من ذلك فى أحرّ من نار السعير , ولم يزالوا به سائرين , وقد أصبحوا على أعداء الله ظاهرين , إلى أن وضعوه من الحصن بأعلى مكان , وأعلن المؤذنون للظهر بالآذان , وأجابهم من المسلمين الثقلان , أعنى الجن والبشر حتى الشجر والحجر والمدر , وكانت ساعة مشهودة , وفى مواسم الأيام معدودة , وليس الخبر كالعيان , ولا يقدر على تأدية وصف ذلك بديع بيان , ولما أُدخل السنجق الشريف دخل معه كثيرٌ من العساكر , وجمُ غفير من القبايل والعشائر , واتخذوه من أحب المواطن , واقتسموا منه المساكن , وذهب ما كان يضمره المشركون , فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون , وبرز الأمر الشريف بأخذ أسلحة الكفار , وإلباسهم شعار الذلة والصغار , فسُلِبوها بأسرها , وقُلِّها وكُثرِها , حتى أُخذت منهم السكاكين , وصاروا بعد العز المكين , الى ذل الخايف المستكين , وانتقل بعد بكاء العيون منهم الى ضحك الأفواه , وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله , ولم يسع طاغيتهم من ذلك إلا إظهار الطاعة ...... )
ومن عجيب المصادفات أن خلال هذه الأيام كان البابا أندريانوس الثاني يجري مراسم أعياد الميلاد في كنيسة سان بيترو في روما ، فتدحرجت حجارة سقطت من حافة سقف الكنيسة نحو قدميه ، فتشاءم البابا ، وقال (سقطت رودس) !!
وسبحان الله , أرخوا لذلك الفتح بقوله تعالى (يفرح المؤمنون بنصر الله) , فكان هذا من عجيب الموافقات ..
ومما قيل فى هذا الفتح المجيد من الأشعار , أورد لكم جزأ بسيط من القصيدة :
قل لبنى الكفر مضت رودس *** فليخزأوا بالرغم وليخنَسوا
وليحزنوا حزن الثكول التى *** أصيب منها الأكرم الأنفسُ
كانت لهم حصنا فلم يُحرزوا *** بها من السوء ولم يُحرسوا
واتخذوها شركا للأذى *** دهرا فمن حل بها يبأسُ
يصحبه الأدهم فى رجله *** والغل فى الجيد له الملبسُ
وعينه تبيضّ من حزنه *** من أسود العيش الذى يمْسَسُ
ويقسمون الغُنم من ماله *** وهو من الخشية لا ينبُسُ
وكم وكم من محنٍ تعترى *** أحواله وهو بها مُبلَسُ
حتى أتاح الله سبحانه *** لفتحها مَن سِرُّهُ الأقدسُ
فجال فيها جوْلةٌ غُودرت *** بها مغانى كفرهم تَدرسُ
وأصبح الناقوس فى أوجها *** وهو بتوحيد الورى أخرسُ
وأطّد الإسلام راياته *** لما غدت راياتهم تنكسُ
وانتسخت آيات إنجيلهم *** بآى قرآنٍ غدا يُدرسُ
ومن يكن يضحكُ من غيَّه *** أضحى بما صار له يَعبسُ
وأورت الله مليك الورى *** ما كان منهم دايما يُبأسُ
وصار فتحا سائرا ذكره *** كالشمس لا يعدمها مجلسُ
والنّظم قد رتب تاريخه *** بجيدها قد سُلّمت رودسُ
دام مليك العصر مستظهرا *** والكفر فى قاع الردى يُركسُالحلقة القادمة
معركة موهاكس الخالدة







رد مع اقتباس