أول امرأة هندية تحصل على شهادة جامعية في الطب، تزوجت في التاسعة من عمرها، وماتت بالسل في الثانية والعشرين، بعد أن رفض الجميع علاجها.
البداية
في بلدة "كاليان"، قرب مومباي بالهند، ولدت "يامونا جوشي"، آخر مارس 1865م، لعائلة من البراهمية الهندوس، ضمن أمراء الأراضى الذين تدهورت مكانتهم فصاروا فقراء
لم تكن جميلة، كانت سمراء، تملأ وجهها البثور، لكنها- وفقا لتقاليدهم- عليها أن تتزوج قبل البلوغ، ولأنهم لا يملكون مهرا يدفعونه لعريس، زوجوها، وهى في التاسعة، لأرمل في الخامسة والعشرين، كان من الداعين لزواج الأرامل وتعليم البنات، واشترطوا عليه أن يعلمها، وتغير اسمها إلى" أناندي".
العلم طريق الخلاص
لم تكن "أناندي" تعرف سوى قليل من آيات وأناشيد الكتب المقدسة، فحاول زوجها أن يسجل لها في أحد المدارس التبشيرية، لكنه لم يتمكن من ذلك، فتركا البلدة إلى "كالكوتا"، وهناك بدأ تعليمها.
بعد فترة قصيرة، أتقنت "أناندي" اللغتين السنسكريتية والإنجليزية، قراءة وكتابة وحديثا، وتحول هدفها إلى التعليم العالي.
بسبب انعدام الخدمات الصحية، فقدت "أناندي" طفلها الرضيع بعد أيام من ولادته، لم يكن هناك أطباء من النساء، وفي الوقت الذي تمنع فيه التقاليد النساء والأطفال من التردد على الأطباء الرجال، كانت طرق العلاج التقليدية السائدة نادرا ما تثبت نجاحها، لذلك قررت "أناندي" أن تصبح طبيبة .
حاول زوجها جاهدا أن يحصل لها على قبول لدراسة الطب في إحدى الجامعات الأمريكية، حتى أنه تظاهر بالمسيحية، لكنه انكشف وأصبح موضعا للسخرية، بعدما تداولت قصته بعض الصحف.
وبالصدفة، قرأت سيدة أمريكية من نيويورك القصة، وأعربت للصحيفة عن رغبتها في مساعدة "أناندي"، وبدأت بينهما مراسلات بريدية، تناولت كل قضايا المرأة تقريبا: الزواج المبكر، وآثاره على صحة النساء والأطفال، وتعليم البنات، وزواج الأرامل، ودور المرأة في المجتمع.
وافقت السيدة على استضافتها في بيتها، وصارت"أناندي" تشعر أنها قريبة جدا منها، لدرجة أن تناديها "خالتي"، وعندما تعذر على الزوجين إيجاد عمل في الولايات المتحدة، قررا أن تسافر وحدها، لكنهما واجها عواصف من النقد والمعارضة من الأهل والجيران، وصلت لدرجة أنهم كانوا يقذفونهما بالأحجار وروث البقر!
وأخيرا، أبحرت "أناندي" وحدها، في 17 أبريل 1883م، إلى الولايات المتحدة الأمريكية، التى وصلتها بعد نحو شهرين، ولم تكن قد أكملت وقتئذ الثامنة عشرة من عمرها، أما الزوج فتنقل بين عدة مدن، وعمل حمالا لفترة، حتى نجح، بعد ثلاث سنوات، في توفير ثمن تذكرة السفر إلى أمريكا.
وحيدة في بلاد بعيدة
هناك، استقبلتها "الخالة" بحفاوة ورعتها كما لو كانت ابنتها، وبكت عندما ودعتها على أبواب كلية الطب للبنات في بنسلفانيا، حيث استقبلوها، وقدموا لها منحة 600 دولار شهريا لمدة 3 سنوات.
أقبلت "أناندي" على الدراسة باهتمام ملحوظ، واختارت موضوع "طب التوليد بين النساء الآريين" كمشروع للتخرج، واجتازت الاختبار النهائي بنجاح، لتصل إلى حفل التخرج، الذي وصفته بأسعد أيام حياتها .
في حفل تخرجها، حضر زوجها، كما حضرت بانديتا رامباى، الناشطة النسوية الهندية المدافعة عن حقوق المراة ومؤسسة لمجموعة من المنظمات النسوية في الهند خلال الفترة بين 1858 و1922م، وأعلن عميد الكلية تخرج "أناندي جوبال"، كأول امرأة هندية تحصل على شهادة جامعية في الطب عام 1886م، وأرسلت لها الملكة فيكتوريا رسالة تهنئة بإنجازها غير المسبوق.
بعد أن انتهى الحفل، ذهب الزوجان إلى مستشفى النساء في فيلاديلفيا، ليخبرهم الأطباء، أنها تعانى من مرض السل، ونصحوها بالعودة إلى بلادها.
وكانت رحلة العودة طويلة ومرهقة، ما أثر سلبا على صحتها المعتلة أصلا، وعندما لجأت إلى طبيب السفينة طلبا لمساعدته، رفض أن يعالجها لأنها - في نظره- امرأة ملونة!
العودة للنهاية
عادت لتجد وظيفة طبيبة في "كولهابور"، لكنها لم تتمكن من ممارسة الطب، فهى مريضة تتمنى أن تجد العلاج والرحمة في بلادها.
عاشت أياما صعبة، كانت في حال من البؤس والفقر والمرض، لا يمكن تصوره.
كتب لها رئيس تحرير إحدى الصحف: "نما إلى علمى، أنك في حاجة شديدة إلى المال، ليس لدي دخل كبير لأساعدك، ولكنى أرسل إليك 100 روبية"، وعندما قرأت الرسالة بكت على كتفي زوجها قائلة: "لا، أنا لست متسولة، لماذا كل هذه القسوة، هذا الشعب يجب أن يرأف بي، لا أستطيع أن أتحمل ذلك، كيف يمكن أن أعيش هكذا".
وفي 26 فبراير 1887م، ماتت قبل أن تكمل عامها الثاني والعشرين، وطبقا للتقاليد الهندوسية، تم حرق جثمانها، وأرسل بعض من رمادها، إلى السيدة "كاربنتر" في نيويورك، الذى وضعته في مقابر الأسرة بريف الولاية.
لم تذهب جهودها هدرا، فبعد فترة، انفتحت أبواب التعليم والعمل أمام نساء الهند، وألهمت سيرة حياتها، الكتاب وصناع الدراما، وصار اسمها من أسباب الفخر لدى الهنود، رجالا ونساء، وتخليدا لذكراها، تقدم الهند- الآن- درجة زمالة دراسية باسمها لطالبات طب النساء والتوليد.









رد مع اقتباس