داود عليه السلام
قال الله تبارك وتعالى:
(( وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ ))
وقال الله تعالى:
(( وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا))
داود عليه الصلاة والسلام هو من الأنبياء والرسل الكرام،
وقد ءاتاه الله تعالى النبوة والمُلك وجعله رسولًا إلى بني إسرائيل،
وقد ورد اسمُ داود عليه الصلاة والسلام في القرءان الكريم في ستة عشر موضعًا.
آتاه الله العلم والحكمة وسخر له الجبال والطير يسبحن معه وألان له الحديد،
كان عبدا خالصا لله شكورا يصوم يوما ويفطر يوما يقوم نصف الليل وينام ثلثه ويقوم سدسه
وأنزل الله عليه الزبور وقد أوتي ملكا عظيما وأمره الله أن يحكم بالعدل.
قبل البدء بقصة داود عليه السلام،
ترى ما هي الأوضاع التي عاشها بنو إسرائل في تلك الفترة.؟!
لقد انفصل الحكم عن الدين..
فآخر نبي حكم بني إسرائيل كان يوشع بن نون..
ولما توفي يوشع بن نون تولى,
حكمهم قضاة منهم وبقوا على ذلك مدة طويلة من الزمن،
وفي هذه الفترة دَبَّ إلى بني إسرائيل الوَهَن والضعف وفشت فيهم المعاصي والمنكرات،
زاد طغيان بني إسرائيل،
فكانوا يقتلون الأنبياء، نبيا تلو نبي،
ودخلت الوثنية وعبادة الأوثان والاصنام في صفوفهم
فسلّط الله تعالى عليهم الأمم القريبة منهم
فغزاهم العمالقة والآراميون وغيرهم، وكانوا إلى الخذلان أقرب منهم إلى النصر في كثير من حروبهم مع أعدائهم،
وتتالت الهزائم على بني إسرائيل، حتى انهم أضاعوا التابوت.
وكان في التابوت بقية مما ترك آل موسى وهارون،
فقيل أن فيها بقية من الألواح التي أنزلها الله على موسى، وعصاه، وأمورا آخرى.
كان بنو إسرائيل يأخذون التابوت معهم في معاركهم لتحل عليهم السكينة ويحققوا النصر. فتشروا وساءت حالهم.
في هذه الحروب ماتَ حاكمهم الذي كان يقودهم وبقي بنو إسرائيل بلا راع،
وفي هذه الظروف الصعبة هيأ الله تبارك وتعالى لهم غلامًا يقال له “أشموئيل”
فقد كانت هنالك امرأة حامل تدعو الله كثيرا أن يرزقها ولدا ذكرا.
فولدت غلاما فسمته أشموئيل..
ومعناه بالعبرانية إسماعيل.. أي سمع الله دعائي..
فلما ترعرع بعثته إلى المسجد وأسلمته لرجل صالح ليتعلم منه الخير والعبادة.
فكان عنده الى أن بلغ أشده،
نشأ فيهم وتولاه الله بعنايته وأنبته نباتًا حسنًا،
ثم جعله الله نبيًا وأوحى إليه وبعثه إلى بني إسرائيل،
وأمره بالدعوة إلى دينه الإسلام وتوحيده تعالى وترك عبادة الأصنام، فلما دعا قومه بني إسرائيل إلى دين الله
طلبوا منه أن يُقيم عليهم ملكًا يُقاتلون معه أعداءهم لأنّ ملكهم كان قد هلك وباد فيهم،
فكان من أمرهم ما قصّ الله تعالى علينا في القرءان الكريم ,
يقول الله تبارك وتعالى :
(( أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنبَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا ))
بينما هونائم ذات ليلة: إذا صوت يأتيه من ناحية المسجد
فانتبه مذعورا ظانا أن الشيخ يدعوه.
فهرع أشموئيل إليه يسأله: أدعوتني..؟
فكره الشيخ أن يفزعه فقال: نعم.. نم.. فنام..
ثم ناداه الصوت مرة ثانية.. وثالثة.
وانتبه إلى جبريل عليه السلام يدعوه: إن ربك بعثك إلى قومك.
ذهب بنو إسرائيل إليه يوما.. فسألوه: ألسنا مظلومين؟
قال: بلى..
قالوا: ألسنا مشردين؟
قال: بلى..
قالوا: ابعث لنا ملكا يجمعنا تحت رايته كي نقاتل في سبيل الله ونستعيد أرضنا ومجدنا.
قال نبيهم وكان أعلم بهم: هل أنتم واثقون من القتال لو كتب عليكم القتال؟
قالوا: ولماذا لا نقاتل في سبيل الله، وقد طردنا من ديارنا، وتشرد أبناؤنا، وساء حالنا؟
وأوحى الله تعالى إلى نبيه يأن يجعل عليهم “طالوت” مَلِكًا
قال نبيهم: إن الله اختار لكم طالوت ملكا عليكم.
وكان طالوت رجلًا من أجنادهم ولم يكن من بيت المُلك فيهم،
فملَّكه الله تعالى عليهم لقوته الجسمية والعلمية،
ولكن بني إسرائيل تمردوا على توليه المُلك .
قالوا: كيف يكون ملكا علينا وهو ليس من أبناء الأسرة التي يخرج منها الملوك -أبناء يهوذا-
كما أنه ليس غنيا وفينا من هو أغنى منه
قال تعالى :
(( قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَال))
قال نبيهم: إن الله اختاره، وفضله عليكم بعلمه وقوة جسمه.
قال تعالى:
(( إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ))
قالوا: ما هي آية ملكه؟
قال لهم نبيهم: يسترجع لكم التابوت تحمله الملائكة.
قال تعالى:{
(( وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ ))
ووقعت هذه المعجزة..
وعادت إليهم التوراة يوما..
ثم تجهز جيش طالوت، وسار الجيش طويلا حتى أحس الجنود بالعطش..
قال الملك طالوت لجنوده: سنصادف نهرا في الطريق،
فمن شرب منه فليخرج من الجيش، ومن لم يذقه فليبق معي في الجيش..
قال الله تعالى:
(( فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَمِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ
فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلًا ))
وجاء النهر فشرب معظم الجنود، وخرجوا من الجيش،
وكان طالوت قد أعد هذا الامتحان ليعرف من يطيعه من الجنود ومن يعصاه،
وليعرف أيهم قوي الإرادة ويتحمل العطش،
وأيهم ضعيف الإرادة ويستسلم بسرعة.
لم يبق إلا ثلاثمئة وثلاثة عشر رجلا، لكن جميعهم من الشجعان.
ولما جاوز طالوت عليه السلام والمؤمنون الذين بقوا معه النهر
استقل أصحابه هؤلاء أنفسهم عن لقاء عدوهم لكثرتهم ولجبروت ملكهم
إلا قليلاً منهم ممن ثبّت الله تعالى قلوبهم وقوّى عزيمتهم،
وكان فيهم العلماء والعاملون،
لذلك أخذوا يثبتون إخوانهم المؤمنين ويقوون عزائمهم
ويذكرونهم بنصر الله وأن النصر من عند الله ينصر من يشاء من عباده،
يقول الله تعالى إخبارًا عن هذين الفريقين الذينَ جاوز بهم طالوت النهر لقتال الكافرين
قال تعالى :
(( فَلَمَّاجَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ
قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ))
كان عدد أفراد جيش طالوت قليلا، وكان جيش العدو كبيرا وقويا..
فشعر بعض -هؤلاء الصفوة- أنهم أضعف من جالوت وجيشه
وقالوا: كيف نهزم هذا الجيش الجبار..؟!
قال المؤمنون من جيش طالوت: النصر ليس بالعدة والعتاد،
إنما النصر من عند الله..
(كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ).. فثبّتوهم.
بدءت المعركة وتاجهوا الفريقان
وبرز جالوت وهو رئيس جيش الكفار في دروعه الحديدية وسلاحه،
وهو يطلب أحدا يبارزه..
وخاف منه جنود طالوت جميعا..
وهنا برز من جيش طالوت داود عليه السلام ..
وهو فتى شجاع يُسمى داود وهو من سبط يهوذا بن يعقوب
وكان هو وأبوه “إيش” في جيش طالوت.
وكان راعي غنم , كان داود مؤمنا بالله،
وكان يعلم أن الإيمان بالله هو القوة الحقيقية في هذا الكون،
وأن العبرة ليست بكثرة السلاح، ولا ضخامة الجسم ومظهر الباطل.
وكان الملك طالوت ،
قد قال: من يقتل جالوت يصير قائدا على الجيش
ويتزوج ابنتي..
ولم يكن داود يهتم كثيرا لهذا الإغراء..
كان يريد أن يقتل جالوت لأن جالوت رجل جبار وظالم ولا يؤمن بالله..
وسمح الملك طالوت لداود أن يبارز جالوت..
وتقدم داود بكل شجاعة بعصاه وخمسة أحجار ومقلاعه
(وهو نبلة يستخدمها الرعاة)..
تقدم جالوت المدجج بالسلاح والدروع..
فلما أقبل داود على جالوت احتقره جالوت وازدراه
وقال له:”ارجع فإني أكره قتلك”
فما كان من داود إلا أن قال له بكل شجاعة وجُرأة:
ولكني أحبُّ قتلك،
وسخر جالوت من داود وأهانه وضحك منه،
فوضع داود حجرا قويا في مقلاعه
وطوح به في الهواء وأطلق الحجر.
فأصاب جالوت فقتله.
وبدأت المعركة وانتصر جيش طالوت على جيش جالوت.
قال تعالى :
(( وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَىالْقَوْمِ الْكَافِرِينَ*
فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء))
فلمع إسم داود وأصبح داود -عليه السلم- ملكا لبني إسرائيل،
فقد وعد طالوت عليه السلام داود إن قتل جالوت
أن يزوجه ابنته
ويشاطره نعمته
ويشركه في أمره، فوفى له وعده.
ثم ءال الملك إلى داود عليه السلام مع ما منحه الله تعالى من النبوة العظيمة والعلم الوافر
فجمع الله على يديه النبوة والملك.
لقد أكرم الله نبيه الكريم بعدة معجزات.
لقد أنزل عليه الزبور (وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا)، وآتاه جمال الصوت،
ومما أنعم الله تبارك وتعالى على داود عليه الصلاة والسلام أن علَّمه منطق الطير
فكان عندما يسبّح، تسبح الجبال والطيور معه، والناس ينظرون.
فقد أعطى الله تبارك وتعالى عبده داود عليه الصلاة والسلام فضلًا كبيرًا
وحَباه من لدنه خيرًا عظيمًا،
فقد كان داود عليه الصلاة والسلام حسن الصوت
وكان عندما يصدح بصوته الجميل فيسبّح الله تعالى ويحمُده تسبح معه الجبال والطير
يقول الله تعالى:
(( ولقد ءاتيْنا داودَ مِنَّا فضلًا يا جبالُ أَوِّبي معهُ والطَّيرُ وأَلَنَّا لهُ الحديدَ))
ويقول سبحانه وتعالى:
(( وسَخَّرنا معَ داودَ الجِبالَ يُسَبِّحنَ والطيرَ وكُنَّا فاعلين)) ،
وكان داود عليه الصلاة والسلام إذا قرأ الزبور وما فيه من رقائق وأّذكار
تكف الطيرُ عن الطيران وتقف على الأغصان والاشجار لتسمع صوته النديّ العذب
وتسبح بتسبيحه وترجع بترجيعه،
وكذلك الجبال تُردد معه في العشي والإبكار تجيبُه
وتسبح الله معه كلما سبح بكرة وعشيا
وتعكف الطيور والدواب على صوته،
يقول الله عز وجل:
(( إنَّا سخَّرنا الجبالَ معهُ يُسَبِّحنَ بالعِشيِّ والإشراق* والطيرَ مَحْشورةً كلٌّ لَّهُ أوَّابٌ))
وكان مع ذلك الصوت الرخيم سريع القراءة مع التدبر والتخشع
فكان صلوات الله وسلامه عليه يأمر أن تسرج دابته
فيقرأ الزبور كلَّه قبل أن تسرج.
و ألان له الحديد فكان بين يديه بإذن الله كالعجين،
حتى كان يفتله بيده ولا يحتاج إلى نار ولا مطرقة
فكان يصنع منها الدروع ليحصّن بها جنوده من الأعداء ولدرء خطر الحرب والمعارك.
(( لقد ورد أن سيدنا محمدًا صلى الله عليه وسلم وقف يومًا يستمع إلى صوت الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري وكان يقرأ القرءان بصوته العذب الحنون، فقال عليه الصلاة والسلام:”لقد أعطيت مزمارًا من مزامير ءال داود“، فقال يا رسول الله أكنت تستمع لقراءتي، قال: “نعم“، فقال: لو علمتُ أنك تستمع لحبرته لك تحبيرًا، أي لجملته تجميلًا.))
ومن فضل الله على داود كذلك ألان الله في يديه الحديد،
حتى قيل أنه كان يتعامل مع الحديد كما كان الناس يتعاملون مع الطين والشمع،
قال الله تبارك وتعالى:
((وألَنَّا لهُ الحديدَ* أنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وقَدِّرْ في السِّردِ))
وقد تكون هذه الإلانة بمعنى أنه أول من عرف أن الحديد ينصهر بالحرارة.
فكان يصنع منه الدروع.
كانت الدروع الحديدية التي يصنعها صناع الدروع ثقيلة ولا تجعل المحارب حرا يستطيع أن يتحرك كما يشاء أو يقاتل كما يريد.
فقام داوود بصناعة نوعية جديدة من الدروع.
درع يتكون من حلقات حديدية تسمح
للمحارب بحرية الحركة، وتحمي جسده من السيوف والفئوس والخناجر..
أفضل من الدروع الموجودة أيامها..
وشد الله ملك داود، جعله الله منصورا على أعدائه دائما..
وجعل ملكه قويا عظيما يخيف الأعداء حتى بغير حرب،
وزاد الله من نعمه على داود فأعطاه الحكمة وفصل الخطاب،
أعطاه الله مع النبوة والملك حكمة وقدرة على تمييز الحق من الباطل
ومعرفة الحق ومساندته.. فأصبح نبيا ملكا قاضيا.
يروي لنا القرآن الكريم بعضا من القضايا التي وردت على داود -عليه السلام.
1): ***
جلس داود كعادته يوما يحكم بين الناس في مشكلاتهم.. وجاءه رجل صاحب حقل ومعه رجل آخر..
وقال له صاحب الحقل: سيدي النبي.. إن غنم هذا الرجل نزلت حقلي أثناء الليل،
وأكلت كل عناقيد العنب التي كانت فيه..
وقد جئت إليك لتحكم لي بالتعويض..
قال داود لصاحب الغنم: هل صحيح أن غنمك أكلت حقل هذا الرجل؟
قال صاحب الغنم: نعم يا سيدي..
قال داود: لقد حكمت بأن تعطيه غنمك بدلا من الحقل الذي أكلته.
وقد كان له ولد إسمه سليمان وكان الله قد علمه حكمة تضاف إلى ما ورث من والده
إستأذن سليمان من أبيه .. وقال :
عندي حكم آخر يا أبي..
قال داود: قله يا سليمان..
قال سليمان: أحكم بأن يأخذ صاحب الغنم حقل هذا الرجل الذي أكلته الغنم..
ويصلحه له ويزرعه حتى تنمو أشجار العنب
،
وأحكم لصاحب الحقل أن يأخذ الغنم
ليستفيد من صوفها ولبنها ويأكل منه،
فإذا كبرت عناقيد الغنم وعاد الحقل سليمان
كما كان أخذ صاحب الحقل حقله
وأعطى صاحب الغنم غنمه..
قال داود: هذا حكم عظيم يا سليمان.. الحمد لله الذي وهبك الحكمة..
2): ***
قد ورد في الصحيح قصة أخرى:
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ
« بَيْنَمَا امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا جَاءَ الذِّئْبُ فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا .
فَقَالَتْ هَذِهِ لِصَاحِبَتِهَا إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ أَنْتِ . وَقَالَتِ الأُخْرَى إِنَّما ذَهَبَ بِابْنِكِ .
فَتَحَاكَمَتَا إِلَى دَاوُدَ فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى
فَخَرَجَتَا عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ
فَأَخْبَرَتَاهُ فَقَالَ ائْتُونِى بِالسِّكِّينِ أَشُقُّهُ بَيْنَكُمَا .
فَقَالَتِ الصُّغْرَى لاَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ هُوَ ابْنُهَا .
فَقَضَى بِهِ لِلصُّغْرَى ».
قال العلماء : يحتمل أن داود عليه السلام قضى به للكبرى لشبه رآه فيها ،
أو أنه كان في شريعته ترجيح الكبرى ، أو لكونه كان في يدها ، فكان ذلك مرجحا في شرعه ،
وأما سليمان عليه السلام فتوصل بطريق من الحيلة والملاطفة إلى معرفة باطنة القضية ،
فأوهمها أنه يريد قطعه ليعرف من يشق عليها قطعه ،
فتكون هي أمه ،
فلما أرادت الكبرى قطعه عرف أنها ليست أمه ،
فلما قالت الصغرى ما قالت عرف أنها أمه ،
ولم يكن مراده أنه يقطعه حقيقة ، وإنما أراد اختبار شفقتها ليتميز له الأم ،
فلما تميزت بما ذكر عرفها ، ولعله استقر الكبرى ،
فأقرت بعد ذلك به للصغرى ،
فحكم بالإقرار لا بمجرد الشفقة المذكورة .
قال العلماء : ومثل هذا يفعله الحاكم ليتوصل به إلى حقيقة الصواب ،
بحيث إذا انفرد ذلك لم يتعلق به حكم .
وكان داود رغم قربه من الله وحب الله له،
يتعلم دائما من الله،
وقد علمه الله يوما ألا يحكم أبدا إلا إذا استمع لأقوال الطرفين المتخاصمين..
فيذكر لنا المولى في كتابه الكريم قضية أخرى عرضت على داود عليه السلام.
3):***
جلس داود يوما في محرابه الذي يصلي لله ويتعبد فيه،
وكان إذا دخل حجرته أمر حراسه ألا يسمحوا لأحد بالدخول عليه
أو إزعاجه وهو يصلي..
وقد تسور رجلان خصمان محراب داود عليه السلام وهو أشرف مكان في داره،
وكان داود عليه السلام مستغرقًا في عبادة ربه في ذلك المحراب
فلم يشعر داود عليه الصلاة والسلام بالشخصين إلا وهما أمامه
ففوجئ بهم في محرابه أنه أمام اثنين من الرجال..
وخاف منهما داود لأنهما دخلا رغم أنه أمر ألا يدخل عليه أحد.
سألهما داود: من أنتما؟
قال أحد الرجلين: لا تخف يا سيدي.. بيني وبين هذا الرجل خصومة
وقد جئناك لتحكم بيننا بالحق.
سأل داود: ما هي القضية؟
قال الرجل الأول: (إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ).
وقد أخذها مني. قال أعطها لي وأخذها مني..
وقال داود بغير أن يسمع رأي الطرف الآخر وحجته:
(لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ)..
وإن كثيرا من الشركاء يظلم بعضهم بعضا إلا الذين آمنوا..
قال الله تبارك وتعالى:
(( وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ
قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاء الصِّرَاطِ *
إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ *
قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ
إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ))
خرج الرجلان فراجع داود نفسه فعتب على نفسه
فقد كان لا يحكم بين المتخاصمين من الناس إلا إذا سمع أقوالهم جميعا،
فربما كان صاحب التسع والتسعين نعجة معه الحق..
وخر داود راكعا، وسجد لله، واستغفر ربه
فقد امتحن الله تعالى نبيه داود عليه السلام في هذه الحادثة التي جرت معه مع هذين الخصمين،
فأستغفر ربه عليه الصلاة والسلام لشعوره بالذنب الذي وقع فيه
وهو أنه تعجل بالحكم على الخصم الآخر قبل التثبيت في الدعوى،
وكان يجب عليه لما سمع الدعوى من أحد الخصمين أن يسأل الآخر عما عنده فيها
ولا يقضي عليه بالحكم قبل سؤاله،
وقد تاب داود عليه السلام من ذلك الذنب الذي ليس فيه خسة ولا دناءة
وغفر الله تعالى له هذا الذنب بنص القرءان الكريم
قال الله تعالى:
(( فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ))
بقي داود عليه السلام يعبد الله تعالى ويسبحه ويحكم ببني إسرائيل حتى مات…
في تفسير قول الله تبارك وتعالى:
(( يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ
إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ))
هذا خطابٌ من الله تبارك وتعالى إلى داود عليه الصلاة والسلام، وفيه وصية من الله عز وجل لولاة الأمور وحكام الناس
أن يحكموا بين الناس بالحق والعدل واتباع الحق المنزل من عنده تبارك وتعالى لا ما سواه من الآراء والاهواء،
وتوعّد الله سبحانه وتعالى في هذه الآية من سلك غير ذلك وحكم بغير ذلك وضل عن سبيل الله
بأنَّ لهم العذاب الشديد يوم القيامة،
وقد كان نبي الله داود عليه الصلاة والسلام هو المقتدى به في ذلك الزمان
في العدل وكثرة العبادة وأنواع القربات،
قال الله تعالى:{اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ}
كان داود يصوم يوما ويفطر يوما..
قال رسول الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم عن داود:
"أفضل الصيام صيام داود. كان يصوم يوما ويفطر يوما.
وكان يقرأ الزبور بسبعين صوتا،
وكانت له ركعة من الليل يبكي فيها نفسه ويبكي ببكائه كل شيء
ويشفي بصوته المهموم والمحموم"..
جاء في الحديث الصحيح أن داود عليه السلام كان شديد الغيرة على نساءه،
فكانت نساءه في قصر، وحول القصر أسوار، حتى لا يقترب أحد من نساءه.
وفي أحد الأيام رأى النسوة رجلا في صحن القصر،
فقالوا: من هذا والله لن رآه داود ليبطشنّ به.
فبلغ الخبر داود -عليه السلام-
فقال للرجل: من أنت؟ وكيف دخلت؟
قال: أنا من لا يقف أمامه حاجز.
قال: أنت ملك الموت.
فأذن له فأخذ ملك الموت روحه.
مات داود عليه السلام وعمره مئة سنة قد أوصى إبنه سليمان بأن يعبد الله ولا يضل عن عبادته،.
وشيع جنازته عشرات الآلاف، فكان محبوبا جدا بين الناس،
حتى قيل لم يمت في بني إسرائيل بعد موسى وهارون أحد كان بنو إسرائيل
أشد جزعا عليه.. مثل داود..
وآذت الشمس الناس
فدعا سليمان الطير قال: أظلي على داود.
فأظلته حتى أظلمت عليه الأرض. وسكنت الريح.
وقال سليمان للطير: أظلي الناس من ناحية الشمس وتنحي من ناحية الريح.
وأطاعت الطير.
فكان ذلك أول ما رآه الناس من ملك سليمان.
*************
******
**
*
فما هي قصة سليمان ؟! وهل آتاه الله النبوة من بعد أبيه داود ؟!
هذا ما سنعرفه في السلسلة القادمة بإذن الله
تـــــابـــــعــــــوني ,,
أخــــتكم في الواحـــد الأحــــد
أم الهـــــنـــــوف
دمتم بود ,,




رد مع اقتباس