لا زلنا في حضرة شيخي الخروصي ، ومع تلكم المواقف /
كُنت مع شيخي ، وكانت تُراودني افكار ، في ظل تلك الفتن التي تعصف بالحياة ،
وذاك التدافع المُقلق ، كيف يكون السبيل لتجنبها والسلامة منها ؟
سألتُ شيخي عن الذي يَشغلُني فقال :
قال : " إلزم بيتك " !
فما كان مني الوقوف على أعداد حروف الإجابة ، ولا الاكتفاء بظاهر الإجازة ، بأن يكون جلوسي في البيت لي عادة ،
بل تعمقت وغصت في المعنى ، لكوني أعرف الشيخ جيدا ، فليس من المنطق أن يأمرني بترك الدعوة ، وطلب العلم ؛
وفعل الخير خارج نطاق البيت ، ليكون البيت لي مسقر و مستودع ! وعندما قلبت نظري فيما يجول من حولي من عبر حري بمن يمر عليها أن يقف وقفة بصير ، فما عادت القلوب تتسع ، وما عادت الناس تطيل حبل العذر لكل من وقع في الخطأ، وأتى بما به الصدر ينخلع _ الا ما رحم ربي _
حينها بحثت عن السلامة التي بها أجني ثمار القرار الذي مِنِّي يصدر ويُستثار ، فقلت في " العزلة " الحل بها يصدق ،
فبنيت عليه ، ورسمت ذلكَ الواقع الذي بين أطواره أتقدم وأكبر ، وما أربكني هو حكم " العزلة " ! أتكون اختيارا ؟! أم أنها نوع من الأقدار ؟!
بعيدا عن التعمق في المعنى ، وجدت في " العزلة " راحة الأبدان والأذهان ، وسلامة القلب من الأضغان ، ومقربة من رب الإنس والجان ،
غير أني رسمت بيت العزلة جاعلا له نوافذا ، كي أرى من خلالها ما يستجد في الكون ، وأرمق نجوم الليل ،
وأرى تعاقب الفصول وما يقع في نهار اليوم والليل ، ومنها الحفاظ على _ الأكسجين _ كي لا يفرغ في مخدع " العزلة " ،
وتتجدد الحياة بنفس جديد ، ومنها أستقبل طيور الأمل وأودعها بقلب مطمئن ببزوغ فجر قريب ، بعيداً عن أضواء الشهرة ،
وبعيداً عن انتقاد رفاق العشرة ، ومنها أبني وأقيم بنياني لأبعث خلقا آخر وقد أحاطت بي هالة الثقة بالنفس ، وعرفت حقيقة الذات ،
فقد خبرت الحياة وأنا بين هذا وذاك ، فانسلخ منها غالب عمري بين جلاد يجلد الذات ، وبين جاحد يكفر بالثبات في معمعة الحياة.
لعل البعض يرى فيها خير الوسيلة للدفاع ، وأنها تكون استراحة يلتقط فيها الأنفاس ، بحيث لا تكون " سرمدية " فيها تدفن المواهب والأفكار ،
قد يكون فيها ومنها يكون البناء ، ومراجعة النفس ، ومعرفة الأخطاء ، وتضميد الجراح ، ليس شرطاً أن يصطحب في معناها الهروب بمعناه الإنهزامي ،
الذليل ، المذل ! بل هي فرصة للإنقطاع ، والتفرد بالذات أما نرى العلماء ، والفلاسفة ، ومن يعكفون ويداومون على ذلكَ من أجل ترويض النفس ،
ومراجعة الذات ، ويجعلون من العزلة فرصة لتصفية _ وفلترة _ ما تزاحم وتراكم على القلب حتى غدا رانا أطبق عليه ،
ولم يستثني من ذاكَ العقل فشل بذلك تفكيره !
فمن ضجيج الناس تسلو الروح ويستريح العقل والقلب من دوامة الإختلاف والخلاف ، ليكون التبصر يشع سناه ،
ويخرج من رحم الهدوء والتروي ، وما عنيت " بالعزلة " تلك التي يجعل المرء من هامة الجبل له مأوى يعصمه من أمزجة ،
ونفسيات ، ومشارب الناس ! فلا عاصم اليوم من مخالطة الناس!
أود هُنا أن نجتمع هنا ليكون بيننا اتفاقا ووفاق بأن ؛
" العزلة ليست حلا بالمطلق " ،
من هنا تبقى نقطة الحوار في كنه هذهِ العزلة ؟ وتوقيتها ؟ وهل هناك فترة محددة بعدها يخرج المرء من تلكم العزلة ،
التي فرضها على نفسه ؟ فمن تأمل وقرأ في السير يجد بأن العزلة تكون خيارا ملحا إذا ترادفت الفتن ، وعلى صوت الغوغاء،
ليشرق بذاك الصباح وتغيب شمس ذلكَ المساء ، وتحدث سفهاء الناس بما يجهلون معناه ! ولنا أن ننظر في واقعنا اليوم ،
لنجد ما ذكر ماثلا أمام أعين الأنام ، وما توارى أطم وأعظم مما رأته العينان ، أو خطه بنان ، أو نطق به لسان ! ،
ومع هذا لا يكون فرضا واجب النفاذ ، بل يلجأ للإعتزال من أجل النظر فيما فيه صالحه ذلك النفر و صالح العباد ، ،
ولعلي طرحت موضوعي بسبب ولوجي في هذا الأمر وعشت واقعه ، ليكون بساطا نتحاور فيه ليستفيد كل منا ،
دعوني اسوق تجربتي لتكون لكم مثال:
فقد نشأت في كنف مجموعة من الأصدقاء تجاوزت تلك الصداقة معناها الثابت ، ليتحرك ليتوسع ويدخل في معنى الأخوة ،
ولكن وبالرغم من تلك الصحبة الصالحة تخللها داعي الفتنة ، لتنقلب تلكم الأخوة لأقرب من العداوة ، وكان الشيطان لنا ظهيرا ،
فاستمر أولئك النفر ، وكانت بصمتهم واضحة في المجتمع ، وذكرهم يلهج به كل لسان ، وما خفي من حقيقة أمرهم لا يعلم به غير عالم السر والإعلان
_ " وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي " _ حينها قررت الإعتزال عن تلكم الفتنة التي أرهقت بدني وعقلي ،
واشتغلت في طلب العلم وتقويم ذاتي ، فبحمد الله كانت تلك العزلة لي خير ونماء ، فمن ذاك المثال الذي سقته لكم عن تجربتي يتجلى القصد من تلكم " العزلة "،
التي اقصدها ، ولم أقصد بالعزلة هو هجر كل الناس حتى منهم الأرحام ، ومن ذلكَ يقيس كل مار على موضوعي في دواعي كثيرة تستوجب الوقوف على قرار الإعتزال ، ولكن بالضوابط الشرعية ، كي لا ينجر للملاحقات الشرعية لتطاله يد المسائلة!
إذا قصدت العزلة بمعناها:
" إعتزال ما من شأنه يُضيِّع النفس والوقت في توافه الأمور ، والوقوف على صغائرئها ،
كي لا تمر الأيام والأعوام من غير جني أي فائدة تضاف لرصيد ذلكَ الإنسان ! أما إذا ما أجدبت أرض ، وشحَّ ماءها ،
فما على المرء غير البحث عن أرض أخرى ليلقي فيها بذور الخير ، لتنبت وتثمر الخير العميم ، لينتفع منه جميع العالمين " ،
فهنالك ؛
من العبارات لا تتعدى بضع حروف ،
ولكن تحوي في معناها من الحكم الألوف ،
تصنف من أجلها مجلدات لتكون منهاجا ودروس يستفيد منها المارون عليها ، فما علينا غير توسيع مداركنا ،
ونسبح في معاني ما نتلقاه ولكن نضعها في ميزان الشرع وحسن الظن كي لا نظلم الناس حقوقهم ،
ولكم أن تقتبسوا وتستخلصوا من تلكم النصيحة لذلك الطالب للنصيحة من سيد الأنام فاقتضبها في بضع حروف في ظاهرها ،
ولكن تعجز عن حمل معانيها سطور الصفحات:
فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم : أوصني.
قال : (لا تغضب فردد مرارا قال : لا تغضب) رواه البخاري.
فمن علم ما معنى الغضب وأنه سنام كل جريمة وشر _ مالم يكن في سبيل الله _
علم عظم تلك الكلمات البسيطة في عدد حروفها وعظم معنى حقيقتها.
وكيف لا ؟! وقد أتيَ عليه الصلاة والسلام:
" جوامع الكلم ".




رد مع اقتباس