على صعيد الامتنان.. أشكر الله تعالى
أن أردف لي في طريق الحياة زاد التناسي،
فلولاه لهام العقل في سحيق المعاناة
، إذ إن بعض الذكريات لا تؤلم لأنها موجعة،
بل لأنها كانت صادقة أكثر مما ينبغي.
أمنيات.. وأي أمنيات تلك التي تسوق الواحد منا
إلى حتفه وهو لا يشعر؟
حين ينقاد خلف حروف أتقن لفظها، لا لأنها زائفة في ظاهرها،
بل لأنها وجدت نية مفتوحة، وقلبا لم يتعلم الشك،
فتخترق القلب وتسلب منه ذاك اللب،
ويغدو الصدق ثغرة، والنية بابا بلا حارس.
وكم أعجن في فكري عن علة ذاك الانسياق،
وعن سر ذلك الانجراف إلى الآخر، لا انجراف الضعف،
بل انجراف من يرى الخير بديهيا، ويحسب النقاء لغة مشتركة.
فما تصنيفه، وما يقال عنه؟
أهو طيب خدع بنقائه، أم وعي لم يدرب على الحذر؟
هل هي الطيبة الممزوجة بالسذاجة الممقوتة؟
أم هي نية صادقة لم تتخيل أن الصدق قد يستثمر، وأن البياض قد يستغل؟
أم الثقة العمياء التي لا يضع حاملها لنفسه خط رجعة،
لأنه لم يدخل معركة أصلا، بل دخلها على هيئة سلام؟
أم حبكة وذكاء الطرف الآخر، الذي قرأ الطيبة قراءة الصياد
لا قراءة الرفيق، فبدهائه ساق ذاك الضحية طوعا إلى شراكه،
لا بالقوة، بل بالاطمئنان، حتى صار الغدر مفاجأة لا خيانة متوقعة.
تساؤلات تحمل في طياتها أجوبة،
غير أن تلك الأجوبة ليست خلاصا، بل إدانة،
لأنها تشير إلى أن النية الصادقة لا تنكسر وحدها،
بل ينكسر معها صاحبها.
ولكن.. الذي يؤخر الفهم تلك الهالة العظيمة،
هالة النية حين تتحول من فضيلة إلى درع وهمي،
من فرط الحرص على البقاء مع من أحبه،
فتغدو كقدسية لا تمس، وكبراءة لا تراجع،
ومن اقترب ليحذر احترق، ومن اقترب ليغدر انتفع.
وهكذا، يعيش الطيب في أتون الغدر،
لا لأنه أساء الظن،
بل لأنه أحسن أكثر مما يحتمل العالم،
فيكتشف متأخرا أن النقاء، حين يصادف الانتهاز،
لا يكافأ، بل يستنزف.
ويبقى الامتنان،
لا على ما كان،
بل على ما انكشف،
ولو بعد احتراق.