ما عدتُ أذكر كيف عبرتُ إليكِ،
لكنّ قلبي كان يحنّ إليكِ قبل أن يعرف اسمكِ،
وكأنّ دروبي كلّها كانت تميل ناحية ظلالكِ وتستجير بدفئكِ.
وفي حضرة صوتكِ أبصرُ ما فقدت،
وأُحسّ أنّي أستعيد شيئًا تساقط من عمري طويلًا،
كأنّكِ ذاكرةٌ نسيتُها، ورجعتُ إليها على غفلةٍ من الشجن.
ويا لغرابة الأمر…
كلّما ابتعدتُ عنكِ، ازداد داخلي اقترابًا،
وكأنّ الحنين لا يعرف طريقًا غير دربكِ،
ولا يعرف قلبًا يؤويه غير قلبكِ.
تعلّمتُ أن ألوذ بصمتي،
ففي داخلي بابٌ لا يعرفه سواي،
أطرقه فأسمع صدى طمأنينةٍ خفيّة
تأتيني من مكانٍ لا أدريه…
وأدرك أن الاكتفاء ليس أن أبتعد،
بل أن أعود إلى نفسي
حتى أكاد أضيع فيها.
كلّما اتسعتُ للغياب، ضاقت بي الحاجة.
فالاكتفاء بابٌ لا يُفتح بالمفاتيح، بل بانطفاء الأسئلة.
أصغي إلى داخلي فأجد ظِلًّا يشبهني،
يمشي قبلي كأنه يعرف الطريق الذي أنساه.
وحين أتبعه… أكتشف أنني لم أكن أبحث عن العالم،
بل عن ذلك الجزء مني
الذي لا يصل إليه أحد .