"يُعتبر الصمت عند وقوع شيء ما مهم ضربًا من الكذب."
وقفتُ كثيرًا عند هذه الحكمة الفلسفية العميقة؛
فلأول وهلةٍ لمن يمر عليها يلتبس عليه الأمر،
ويكون تأويله لها وفق منطلقاته،
ووفق ما يسير عليه من قناعات.


ويطرق فكره حينها سؤال:
كيف يكون الصمت مُدانًا وتُلصق بصاحبه تهمة الكذب؟!
لأن التساؤلات حينها تتوافد، ومنها: ألا يكون في الصمت منجاة؟
ألا يكون عين العقل كي لا يتطور الأمر فيصل إلى ما لا يُحمد عقباه؟!
والناقد الحصيف يغوص في عمق المعنى ليستخلص مقصده ومعناه،
ليخرج بفائدة مفادها أن الساكت عن الحق شريك في الباطل؛
فبعض الصمت لا يُغتفر إن كان يُفضي بالمظلوم
إلى مقاصل العقاب بلا ذنبٍ مُرتكب.


وهناك سعة في غير هذا الموضع، حين يكون مجاملة،
أو يكون إعراضًا عن الخوض في معمعة الجهل الهالكة.


غير أن للصمت وجوهًا تتبدل، ومقاماتٍ تتفاضل؛
فصمتٌ عن الباطل إقرار، وصمتٌ عن السفه وقار،
وصمتٌ عن الجهل انتصار. فمن سكت حين وجب البيان خان،
ومن نطق حين وجب الإمساك أهان؛
وبين هذا وذاك ميزان دقيق لا يحسنه إلا من رقَّ طبعه،
وصفا فهمه، واستنار قلبه.


فإن الحق إذا استصرخ أهله وجب الجهر به،
وإن الباطل إذا تجبر لزم كسره،
ولا يُعذر امرؤ في كتمان نورٍ أُودع فيه،
ولا في طمس حقٍ تبيّن له؛ إذ السكوت حينئذٍ ليس حيادًا،
بل ميلٌ خفي، وانحيازٌ دفين.


فليزن المرء صمته قبل قوله، وليُعمل فكره قبل فعله؛
فإن الكلمة أمانة، كما أن السكوت شهادة،
ومن ضيّع الأمانة أو كتم الشهادة، تاه في دروب التبرير،
وغرق في لجج التقدير.