وفي عمق الكثير منّا، وصراعِ البقاء والتملّك، وبسطِ النفوذ في كيان ذلك الإنسان؛ ففي أعماقه نداءٌ يوقظ، وهوىً يُغوي، بين نفسٍ لوّامةٍ تحاول الوقوف ونفضَ الغبار عن ركام الزلل، ونفسٍ أمّارةٍ بالسوء تُزيّن الخطايا وتقذف بالآمال في بئر التسويف المُعاد، وتُسكره بوهم الغد حتى يتيه عن رشده، وتُلبسه ثوب العذر حتى يستمرئ سقمه .
أمّا تلكم النفس اللوّامة، فهي رفيقة العبد الذي يحاول جاهدًا أن يجعلها متلبّسةً به لا تفارقه؛ ففي وجودها يجد الأمل ماثلًا يبدّد ظلمة المعصية، فهي حاضرةٌ في كلّ مرةٍ يقع فيها في مزالق الخطأ، وإن غشّاها غبار الغفلة، سرعان ما تهبّ كريحٍ صرصر تُزيل ركام التبرير، وتُقيم في القلب ميزان العدل بعد أن كاد يميل، وتُذكي فيه جذوة الندم حتى تشتعل إنابةً ورجوعًا.
وأمّا تلكم النفس الأمّارة بالسوء، فهي رسول الشيطان إذا ما نزل مقامه عن رتبة الأصفياء؛ إذ إنّ العباد في منازلهم لهم قرناء. أمّا حالنا، فتكفينا أنفسنا لتقودنا إلى حتفنا! فهي التي تزرع في القلب والفكر بذرةَ طول الأمل، فتخنق كلّ واردةِ استفاقةٍ قد تغيّر حياة ذلك العبد، وتُلبّس عليه دروب الحق حتى يراها وعرة، وتُزيّن له مسالك الباطل حتى يراها يسيرة، فتجعله يستمري في المعاصي بعد أن تُغريه بأن باب التوبة مُشرَعٌ، وأن العمر لا يزال طويلًا، وأن في التأجيل فسحة، وما علم أنّ في التأجيل مهلكة.