فهناكِ من ينتظركِ بشوق،
فقط… اكسري الحاجز الذي استوطن قدميكِ وهمّتكِ.
فهم بانتظاركِ، ولن تجدي ذلك اللوم.
فكم أرهقكِ الظنّ، وهو أهون من الحقيقة لو واجهتِها،
وكم عظّمتِ المسافة، وهي أقصر من خطوة صدقٍ إن خطوتِها.
لا تُؤجّلي الصفاء خوفًا من لحظة انكسار،
فبعض الانكسار بابٌ لسلامٍ طال انتظاره.
امضي… فليس أثقل من بقاء القلب عالقًا بين رغبةٍ وخشية،
ولا أرحم من حسمٍ يُعيد لكِ اتّزانكِ، ولو بكلمة.
متعلقٌ بخيطٍ رفيع،
غير أن ذلك الخيط تتعلّق به المصائر.
اختصاراتُ رحلةِ العمر نختزلها في جملةِ ردودِ أفعال،
كهلاميّاتٍ مجهولةِ المصدر،
نتعقّب منابعها، ونستقطب عواملها،
نغوص في عمق معانيها، أضدادُ وجودٍ
تزدحم على أبواب الممكن والمستحيل.
وفي العقل لوثةُ البحث عن حقيقة الوجود،
وشوائبُ متجذّرة في ذلك الفكر الذي تشبّع بوافدِ فكرٍ مأفون.
حقيقةٌ طالما أدرنا ظهرنا عنها، وقد أصابنا ضياءُ صوابها،
نركض خلف وهمٍ عنوانه: “أنا لها، ومن سواي مجعولٌ للفناء”.
فلسفياً…
لسنا دائمًا نبحث عن الحقيقة لنبلغها، بل لنُخفّف حدّتها حين تقترب؛ فنُعيد تشكيلها بما يطيق وعينا، لا بما هي عليه. فالعقل لا يحتمل الصفاء الكامل دفعةً واحدة، لذلك يُجزّئ المعنى، ويؤجّل الصدمة، ويُسمّي القلق “تفكيرًا” كي يواصل التعايش معه.
وما نظنه سيطرةً على ردود أفعالنا ليس دائمًا تحكّمًا،
بل مفاوضةٌ دائمة بين وعيٍ يريد الاتساق،
ونفسٍ تخشى أن تخسر ما اعتادت الاتكاء عليه، ولو كان وهماً مستقرًا.
نحن لا نقف على خيطٍ رفيع عبثًا،
بل لأن كل ما فينا يتوازن فوق احتمالات متناقضة:
أن نفهم فنرتاح، أو نفهم فننقلب على ما كنا نظنه يقينًا.
لذلك نظلّ في منتصف الطريق بين الإدراك والإنكار،
لا نحن من سلّم، ولا نحن من انتهى.