في مضايق الحال...
توسلات واستنجاد بالخلاص من فكر مزق الوعي، غير أنه استنجاد بالعدم حيث لا خلاص؛ كحال الظمآن يبحث عن ماء، فإذا جاءه لم يجد إلا سرابا خادعا لا يغني ولا يروي.
عجبت ممن ينقب عن الجواب في بواطن ومواطن التيه، حيث المزالق ترديه، والمهاوي تلقيه في قاع الهلاك وتدنيه؛ يطلب النجاة في مواطن الضياع، ويستسقي من وهم لا يشبع ولا يقنع.
ومن أعجب ذلك ذاك المنفلت من عقال الصواب؛ أما رأى في أساطين الفلسفة من تاه في صحراء البحث، وواصل كلالة نهاره بليله، فما عاد إلا مثقلا بالأسئلة، ولا نال غير العناء والأنين؟
فالفلسفة — وإن سمت معارجها، واتسعت مدارجها — تقف عند حد العقل إذا تناهى، وتنثني إذا الغيب استعلى؛ تحسن النظر في الأسباب، وتفكك كيف ومتى بلا ارتياب، غير أنها إذا أقبلت على سر الإيجاد والمآب، وقفت على شاطئ لا تبحر بعده، وتراجعت أمام غيب لا تدركه أدواتها ولا تنفذ إليه مسالكها.
فهناك حيث تنقطع السبل، وتخفت الحيل، وتقف العقول على أعتاب الحيرة، لا يكون البيان إلا من مسبب الأسباب، ولا ينكشف المستور إلا بنور الهداية.
فيا أيها التائه في دروب الفكر، المرهق بكثرة النظر، أما آن لك أن تراجع المسير، وأن تزن خطوك بميزان البصير؟ أما أبصرت أن طول التيه لا يورث إلا تعبا، وأن كثرة الجدل لا تثمر إلا نصبا؟
إن الحقيقة لا تُنال بالعناد، ولا تُستخرج من صخب الجدل وركام المراء، بل تُؤتى قلبا أقبل بصدق، وعقلا تواضع للحق، ونفسا عرفت قدرها فلم تتجاوز حدها.
فارجع إلى نفسك قبل أن يطول شتاتها، وتدارك قلبك قبل أن يقسو فتقسو حياته؛ وخذ من عقلك دليلا، لا سيدا مستعليا، واجعل له من نور اليقين قائدا، لا أن تتركه في ظلمات الظن حائرا.
فاختر لنفسك: طريقا يوصلك، أو دربا يستهلكك.




رد مع اقتباس