البعض منا يخشى الاعتراف بأن بعض المواقف تعيد إليه ما تبعثر من أدوات البحث،
وترد إليه ما تاه من معالم القصد، فيمضي مديد العمر وهو يظن أنه في سدة السعي،
وما هو إلا مجهد لجواد همته، مستنزف لقوة عزيمته، إذ أضاع بوصلة الغاية،
فضل الطريق وهو يحسب نفسه من المهتدين.
ويغفل — في غمرة الاعتداد بنفسه، وسكرة الوثوق برأيه —
أن ما تجاوزه لم يكن هباء يذروه النسيان،
بل زيادة تكتب في دفتر التجارب،
وحكمة تساق إلى من يأتي بعده، فإن الأيام خزائن العبر،
والعاقل من اقتات من خطئه قبل أن يقتات من ندمه.
وليتنا نخضع "أنانا" لمشرط التجريح،
فنستخرج منها داء الكبر قبل استفحاله،
ونداوي بها عمى البصيرة قبل اكتماله،
فكم من امرئ حال بينه وبين الحق حجاب نفسه،
وكم من متكبر أطفأ زهوه نور فطنته،
حتى صار يرى السراب نهرا،
والظن يقينا، والهوى دليلا.
فليس أشد على المرء من أن يبلغ من نفسه مبلغا يظن معه أنه قد استوفى الحكمة،
وأحاط بالمعرفة، فإن الوقوف عند الرأي موت للعقل، وجمود للفكر،
وإنما العقول تحيا بالاختلاف، وتستنير بالمراجعة،
وتصفو إذا تعاقبت عليها رياح السؤال.
ولو علم ابن آدم أن الحقيقة لا تؤتى دفعة،
وأن الحكمة لا تهبط كاملة، لخفف من غلوائه،
ولعلم أن كل موقف يهزه إنما جاء ليقوم اعوجاجه،
ويوقظه من سبات غروره، فإن النفس إذا أمنت العثار تعثرت،
وإذا ظنت الكمال تردت في مهاوي النقص وهي لا تشعر.