وفي قلب الاشتباك، ينكشف الستار عن اعظم الاسرار،
أن العدو ليس دائما خلف المتاريس والاسوار،
بل قد يسكن صمت القرار،
وخوف الانهيار،
ووهم السلامة في حضن الانكسار.
فالحرية ليست نصرا يعلن في آخر النهار،
بل عبء يتجدد مع كل اختيار،
والوعي ليس نورا يرضي الابصار،
بل نار تقلق الاستقرار،
وتفضح ما استتر من خضوع واعتذار.
ومن تحرر من وهم الاستعباد، خرج من حدود الاعتياد،
لا عبدا لظل، ولا اسيرا لمراد،
يكتب نفسه بيده، بلا سيد ولا انقياد،
ويرى في القيد سؤالا، لا قدرا من الاقدار.
وهكذا تستمر المعركة، لا بين سيف ودرع وجدار،
بل بين وعي يقاوم،
ووهم يجيد الانتشار.
أحببتك لا كاختيارٍ عابر،
بل كقدرٍ تآمر مع قلبي
حتى صار كل شيءٍ بعدك يشبهك دون أن يكونك.
كأنك الفكرة التي لم تُكتب لتُقال،
بل لتسكن بين نبضين وتعيد تعريف الوجود في داخلي،
لا بوصفه حياةً تُعاش، بل شوقًا يُفهم.
في حضورك لا أعود أنا كما كنت،
بل أتحول إلى احتمالٍ آخر، إلى نسخةٍ أرقّ من اليقين،
وأكثر اضطرابًا من الطمأنينة،
كأن الحب ليس اكتمالًا
بل انكشافًا متواصلًا أمامك.
أراك فأدرك أن الإدراك نفسه قاصر،
وأن اللغة حين تحاول وصفك تتراجع خجلى،
لأنك لست معنى يُحاط، بل اتساعٌ يُفقد اللغة حدودها.
وإن غبت، لم تغب أنت، بل غاب انتظام العالم
في داخلي، وصار كل شيءٍ يمشي بلا تفسير،
كأن الكون فقد بوصلته الأولى.
أحبك كفلسفةٍ لا تبحث عن جواب،
بل تعيش في السؤال ذاته،
كأن وجودك لا يهدف إلى أن يُفهم،
بل إلى أن يُحسّ، ويُحتمل،
ويُعاد اكتشافه في كل لحظة.
فيا من صرتَ فكرةً تتجاوز الواقع،
وحضورًا يتجاوز الغياب،
لستَ في قلبي ذكرى، بل حالة وعيٍ جديدة…
تجعلني كلما اقتربت من نفسي، أجدك أنت أولًا.
لم أعد أقف بين ظن ويقين،
فقد انكسر في داخلي ما كان يُسمى ريبًا حين تبين،
وسقط الوهم عن بصيرتي كما يسقط قناع الطين،
فلم يبق في القلب إلا نورٌ لا يُرى… لكنه يُيقن.
كنت أظن أن الحب اضطراب،
وأن العشق انجراف في السراب،
فإذا به كشفٌ لما وراء الحجاب،
وارتقاءٌ يحرر الروح من الارتياب.
أحببت لا كمن يطلب غيابًا في الحضور،
بل كمن يرى الحضور في أعمق الشعور،
كأن المعنى ينكشف حين يسكن الفتور،
ويصير القلب مرآة لا تعكس إلا النور.
وكنت أظن أن التيه سؤال بلا جواب،
فإذا به وهمٌ ينهار عند الاقتراب،
لأن من عرف الحب سقط عنه الحساب،
وصار يقينًا يمشي بلا ارتياب.
هي لم تعد عندي شخصًا يُستدل عليه،
بل صارت فكرةً يعود القلب إليها وينتهي إليه،
كأنها المعنى إذا اكتمل في سناه،
وكأنها الحقيقة إذا انمحى سواها.
الآن لا أبحث عنها،
لأن البحث نفسه كان حجابًا بينها وبين ما أرى،
فصرت أراها حين أسكن، لا حين أرى،
وحين أترك السؤال يسقط منّي… لا حين أستدعيه.
فإن قيل: أين انتهى العشق؟
قلت: حين لم يعد له ضد،
وحين صار اليقين هو الحب،
وصار الحب هو ما تبقى حين يسقط كل ضد.
بين دثار الحروف قول مكبوت،
وضجيج مشاعر في مسامات ضيقة،
تحتويه جدران الصمت، وتُعَبِّرُ عنه حروف القهر.
تتعاهده سيول من الصدمات،
منها ما يوقظ النائم فيه،
ويوقّد في صدره ومض الرجاء،
ومنها ما يهشم رأس همته،
فيتدحرج إلى تربة يأس لا تُنبت إلا الصمت.
وفي محطات العمر جنازات أوهام لا تُدفن،
تُشيّعها الذاكرة كل مساء،
وتُقيم لها في القلب مآتم لا تنقضي،
حتى يغدو الحلم عبئا، والرجاء مؤجلا على حافة الانطفاء.
ودوافع تتزاحم في صدره كأسرى بلا مخرج،
تدفعه خطوة نحو الحياة،
وتسحبه أخرى إلى حافة الفناء،
كأن الوجود عنده شدّ بين نداءين:
نداء يحيي، ونداء يفني دون عناء.
يعيش في ربوع الانشطار،
نصفه يقاوم ليبقى،
ونصفه يستسلم لما تبقى،
كأن ذاته ساحة صراع لا تهدأ،
ولا تُحسم فيها الغلبة إلا لصبر طال به البقاء.
ومع ذلك…
لا ينطفئ فيه سر خفي،
يهمس من تحت الركام: لم ينته الطريق،
وأن ما تكسر فيه لم يكن نهاية،
بل تهيئة لشيء لا يولد إلا بعد الضيق.
فللانعتاق حكاية لا تُروى للضعفاء،
بل لمن ذاق الانكسار حتى صفا،
ومن عبر التيه حتى تلاشى عنه العمى،
فصار الصبر عنده ليس انتظارًا،
بل عبورًا صامتًا نحو معنى… لا يُرى، لكنه يُحيا.
أماني…
تتآلف في الخفاء، وتتآخى في الرجاء،
تتلاحم حتى تكاد تكون نفسًا واحدة،
وتتعانق كأطيافٍ لا يحدّها زمان ولا مكان.
تتزاور في صمتها، وتتسامر في وجدانها،
تُحادث ذاتها بما تُخفي،
وتُمنّي النفس بما تُرجّي،
وتُداوي تأخّرها بوعدٍ لا يخيب،
وتُقسم أن الصدق، وإن تأخر، لا يغيب.
وفي الليل…
حين يهدأ الضجيج، وتنكفئ الأصوات،
يطيب حالها، وتعلو أنفاسها،
ويأتي القمر شاهدًا لا شاهد عليه،
يُضيء لها الدرب،
فتسير كأنها دعاءٌ مرفوع،
أو سرٌّ في صدر الغيب مودوع.
وفي بعض الأحايين…
تخنقني حشرجة الصمت،
فأبتلع الكلام كمن يبتلع وجعه،
وألوذ بربوة الانزواء،
أُواري خوفي في سراديب الأمل،
وأُسلّم أمري لمن بيده الأمر،
فأرى في الانكسار انبعاثًا،
وفي العتمة ابتداء إشراق.
كم تكسّرت الحروف في الطريق إليكِ،
وكم أوهنتها المسافات،
حتى أثقلها السهد،
وأضناها طول الانتظار،
فأفاقت على ضجيج البُعد،
كأن الفراق قدرٌ يُعاد،
أو جرحٌ لا يندمل مهما طال المدى
.
وعلى إيقاع الحروف…
ارتجفت فرحًا عند بلوغها تخومكِ،
كقطرٍ تهادى من غيمٍ رحيم،
فلامس خدّ الزهر،
وأيقظ فيه سرّ الحياة،
وهمس له:
إن البعد وإن طال،
فالوصل وعدٌ لا يُقال… بل يُحال.
وذاك الشاطئ…
بعد ليلٍ أرهقه السواد،
تنفّس أمانًا، واستردّ اتزانه،
كأن الموج تلا على مسامعه آية السكون،
ولسان حاله يقول:
أنا هنا… أرقبكِ،
وقلبي بين يقينٍ يُطمئنه،
ووسواسٍ يُقلقه.
أناديكِ…
من أقاصي الاغتراب،
وأغرس في تربة الحب بذر الاشتياق،
أعبر الزمن فلا أبلغه،
وأطوي المسافات فلا تنتهي،
أحمل في صدري احتراقًا لا يخبو،
وجمر حنينٍ لا يبرد،
كأن الشوق نارٌ خُلقت لتبقى،
لا لتفنى.
أرسمكِ في قلبي روحًا…
لا تُرى، لكنها تُحيي،
أسكن إليها، فتسكنني،
وألوذ بها، فتحتويني،
فإن أقبلت أزهرت روحي،
وإن غابت أجدب في داخلي الربيع.
أزوركِ في كل حين…
إذا سكن الليل ناجيتكِ،
وإذا ضجّ النهار لُذتُ بطيفكِ،
فلا زمن يقوى على فصلكِ عني،
ولا غياب يقدر أن يُقصيكِ منّي.
بتُّ أتنفّسكِ…
كما يتنفس الغريق آخر رجاء،
وكما يتشبث الراحل بأثر البقاء،
فإن غبتِ اختنق نبضي،
وإن حضرتِ استعاد القلب حياته،
ولولاكِ ما كان في الصدر متسعٌ للأمل،
ولا في العمر بقيةٌ تُرتجى.
ولي رجاء…
أن أبقى في ذاكرتكِ
أثرًا لا يُمحى،
وهمسًا لا يُنسى،
وذكرى إذا مرّت أزهرت،
وإذا غابت انتظرت،
ففي ذلك اكتمال الحكاية،
وفيه عزاء البدايات إذا انتهت النهايات.
أين أنتَ منّي؟
ومن جحيم الانتظار يثور بركان الغضب،
فينفث في صدري رماد الأسى،
ويقذف بحمم التساؤل تباعًا، لا تهدأ ولا تستقر...
أين كنتَ
حين وأدني الحنين في جُبّ المعاناة والألم؟
حين كنتُ أمدّ يدي لسرابك،
فلا أقبض إلا على خيبةٍ تتجدّد،
ولا أرتوي إلا من ظمأٍ يتأبّد؟
أين أنتَ عنّي،
وقد نفتني نفسي من نفسي،
وأقصتني روحي عن روحي،
فبتُّ غريبًا في ذاتي،
تائهًا بيني وبيني،
لا مأوى يضمني، ولا قرار يسترني؟
وأين أنتَ،
وقد نقضتَ عهودًا كنتَ لها الحارس والراعي،
وأطفأتَ نور وعودٍ كنتَ أنت مشعلها والساعي؟
ألم تكن أنت من أقسم،
وأحكم القسم،
وأشهد القلب والزمان على الوفاء؟
فما بال العهد تبدّد،
وما بال الوصل تشرّد،
وما بالي أنا
أحمل من هجرك ما لا يُحمل،
وأكابد من بعدك ما لا يُحتمل؟
لقد نالني منك هجرٌ
كليلٍ لا يُبصر فجره،
وكجرحٍ لا يُرجى برؤه،
يتكاثر في صدري ولا يزول،
ويستبدّ في روحي… ولا يزال.
فإن كنتَ غائبًا عنّي،
فأنت حاضرٌ في أوجاعي،
وإن كنتَ بعيدًا عن دربي،
فأنت قريبٌ من وجعي،
كأنك قدرٌ كُتب عليّ،
لا يُدفع، ولا يُؤجّل، ولا يُزال.
هل لا تزالين تعيشين حياة الشتات؟!
هل تبحثين عن نفسك في ذوات الخيال؟
أما أنهككِ البحث في العدم؟
أما أقعدكِ العجزُ فأعلنتِ الاستسلام؟
عجبتُ ممن يستقي الوصول من بيداء الضياع!
ألا فدَعي سرابَ الوهم، فما روى ظمأً ولا أنبتَ رجاء،
وسيري نحو يقينٍ يُبصركِ الطريق، ويقيم في روحكِ الرجاء،
فما بين خيالٍ يُغريكِ وواقعٍ يُنجيكِ… إلا صدقُ اختيارٍ وضياء.