لا تزال رحى البحث تدور حول قضايا محسومة، وقد غدت من بقايا الأمس،
ومع ذلك تجد من يلوكها في مواضع شتى، دون أن يُكلِّف نفسه إعمال العقل،
أو يُحرِّك لذلك جحافل البحث والتحقيق.
ومن عظيم المصائب أن نُجدِّد قضايا استُنفدت مدارستها،
واستقر فيها القول، وغلب على الظن أن ثمرة الخوض فيها قد استوفيت،
ثم نُعيدها إلى ساحة الجدل، وكأن التاريخ لم يترك فيها أثرًا،
ولا العقول خلّفت فيها ميراثًا.
غير أن واقع بعض الناس بات مولعًا بنبش مقابر الخلاف،
ليبعث رفاتها من جديد، وليفتح أبوابًا أُغلقت منذ أمد بعيد.
ولو أنهم أعملوا عقولهم، وصرفوا جهودهم إلى النوازل والقضايا
التي تستدعي النظر والاجتهاد، لكان أنفع للعلم، وأقرب إلى مقاصده.
إن العقل لا يُقاس بكثرة ما يستحضر من أسئلة،
بل بحسن اختياره للأسئلة التي تستحق أن تُطرح.
فليس كل ما يمكن إحياؤه جديرًا بالحياة،
وليس كل خلافٍ صالحًا لأن يُبعث من قبره.
فالتاريخ المعرفي لا يتقدم بتكرار الأسئلة،
وإنما يتقدم بتجاوزها إلى ما هو أعمق منها وأولى بالبحث.
إن الوقوف عند أطلال الخلافات الموروثة،
مع إهمال أسئلة الواقع، ليس وفاءً للتراث،
بل هو عجز عن إنتاج المعرفة.
فالتراث لم يُخلَّد لأنه كرر نفسه،
وإنما لأنه كان في زمانه جوابًا عن إشكالات عصره.
ومن أراد أن يكون وريثًا للعلم،
فليكن وريثًا لمنهج أهله في التفكير،
لا مجرد حافظٍ لمواضع اختلافهم.
وليس من الحكمة أن نجعل الماضي سلطةً تُصادر الحاضر،
ولا أن نجعل الحاضر قطيعةً مع الماضي؛
وإنما الحكمة أن يكون الماضي مرجعًا،
لا سجنًا، وأن يكون العقل حَكَمًا، لا تابعًا.
فالمعرفة التي لا تُثمر فهمًا جديدًا،
ولا تُنتج سؤالًا جديدًا، ليست إلا دورانًا في دائرةٍ يُخيَّل لصاحبها أنه يسير،
وهو في الحقيقة لم يبرح موضعه.
عند بلوغ النفس غرغرة الفقد، تهيم في قفار البحث،
تسترق السمع والبصر، وتتلمس أثرًا لذلك السلام الذي طال غيابه.
في تلك اللحظة تُلقي عن كاهلها أثقال الماضي،
وتتبرأ من امتداداته، وكأنها تُكفِّر عن كل ما مضى،
رجاء أن تبدأ حياةً لا تشبه ما انقضى.
وكم من توسلٍ بُعث في أثير الرجاء،
وكم من وعدٍ أُطلق تحت وطأة الفقد،
حتى خُيِّل للمرء أن الغد قد تبدل، وأن القدر قد لان.
غير أن الفقد، إذا هدأت ثورته، انكشف ما كانت النفس تؤجله لا ما كانت تمحوه؛
فتتبخر الوعود، وتنطفئ حرارة العزم، ويعود الراحل إلى ما كان عليه،
كأن الألم لم يكن إلا زائرًا عابرًا، لا معلمًا مقيمًا.
ولعل أعظم مكرٍ تمارسه النفس أنها تظن أن شدة الانفعال قادرة على صناعة التحول،
مع أن التحول لا يولد من وهج اللحظة، بل من صبر الإرادة.
فما أكثر العهود التي وُلدت في حضرة الفقد،
وما أقلها التي بقيت حية بعد انقضاء العاصفة.
من المناكفات المضحكة أن تنبري فينا نزعة الثورة في وجه ماضينا،
فنستحضر كل ما مرَّ بنا من آلامٍ ومعاناة، ونعقد التحالفات مع العقل والقلب،
ونستمد السلاح والذخيرة من المشاعر.
وبينما نحن في أوج الاستعداد والتحضير للمواجهة العظمى،
تأتينا وفود السلام من الخصم الذي حطَّم الجميل فينا،
فنعقد معه السلام، ونلقي السلاح من أيدينا،
وبعدها ينقضُّ علينا فيُفنينا!
ولعلَّ أكثر ما يخذل الإنسان ليس غدر الآخرين،
بل استعجاله في تصديق أن الأشياء قد تبدلت.
فما إن تهدأ ضوضاء الوجع،
حتى يُخيَّل إلينا أن الوجع نفسه قد رحل،
مع أن الذي غادر هو صخبُه،
أما أثره فما يزال ساكنًا في أعماقنا،
يرقب اللحظة التي يُختبر فيها من جديد.
نحن لا نُعيد فتح الأبواب لأن الطرقات أصبحت أكثر أمانًا،
بل لأن أرواحنا تعبت من الوقوف خلفها.
نبحث عن سلامٍ يخفف وطأة الذاكرة،
فنُلبس الآخرين ثوبًا نسجته حاجتنا،
لا حقيقتهم. وحين نكتشف أن الوجوه لم تتغير،
ندرك أن الذي تغيَّر لم يكن سوى قدرتنا على المقاومة.
ولعلَّ الحكمة ليست أن نغلق أبوابنا في وجه الجميع،
ولا أن نفتحها لكل عابر، وإنما أن نُحسن الإصغاء إلى ذلك الصوت الخافت
الذي تُخلفه التجارب في أرواحنا؛ فالتجارب لا تأتي لتجعلنا أكثر قسوة،
بل أكثر بصيرة.
وما خُلق الألم ليورثنا الخوف،
وإنما ليهبنا عينًا ترى ما كانت الغفلة تحجبه.
فليس كل من عاد إلينا عاد إلينا حقًّا،
وليس كل سلامٍ نهايةً للحرب؛
فبعض السلامات ليست إلا هدنةً يعقدها القلب مع شوقه،
قبل أن توقظها الحقيقة على خيبةٍ أخرى.
حين تلجأ إلى فتح دفتر الذكريات،
فاعلم أن في الروح قنديلًا ما زال يقتات من زيت الأمس،
وأن في أعماقك رَحًى لا تزال تطحن سنابل الزمن،
وإن انقضى الحصاد.
ويتمايز الناس في محراب الذكرى؛
فمنهم من يلوذ بأطلاله كأنها آخر ما بقي له من وطن،
ومنهم من يطوي الصحائف خشية أن تستيقظ المقابر
التي يسكنها في داخله، ومنهم من يمر عليها مرور الغيم فوق البحر؛
لا يحمل منه إلا الملوحة التي علّمته معنى الماء.
فالذكريات ليست أوراقًا تُقلب، بل مرايا؛
منها ما يريك وجهك الأول، ومنها ما يكشف ندوبك الأخيرة،
ومنها ما يهمس لك بأن الذي مات في الطريق...
لم يكن العمر، بل أنت الذي كنت.