هي اقانيم وجب على خائض الحياة ان يدرك ماهيتها،
ليفكك الغامض من واردها، ويستخرج المعنى من ركام التأويل.
فليس من الصواب خوض غمار الحياة بمجازفة،
ولا الانسياق خلف الايمان بضربة حظ؛
فالحقيقة لا تفتح ابوابها للمستعجلين،
ولا تكشف وجهها لمن يقف عند ظاهرها،
بل تحتاج الى ماهر يحسن تفكيك غامضها،
ويقرأ ما بين سطورها، ويصغي
الى صمتها قبل نطقها.
من مآقي اللهفة تقطر بسمةٌ تختمرها الدهشة،
ومن رفات الوجع تُخلق رعشة،
تجد تردداتها في قلبٍ اتخذ من الغفلة قِبلة،
ومن الوهم منزلة،
فلا يرى في النور إلا ظِلَّه، ولا يسمع في الحق إلا صدى جهله.
لن تنجح في إبرام صفقة مع من لا تشعر بالأمان معه،
والأشد غرابة؛ كيف يطمئن قلبٌ إلى حديثٍ مع من يخشاه!
ما نعانيه؛ أننا نستخرج من رماد الماضي نارًا نوقدها في حاضرنا،
ونمنح جراح الأمس حقَّ الوصاية على الغد،
فنحكم على الأيام قبل أن تأتي،
ونُدين الوجوه قبل أن تتكلم،
حتى يغدو المستقبل سجينًا في أقفاص الذكريات،
ويصبح السقوط قدرًا صنعناه بأيدينا، قبل أن تصنعه الحياة.
لعلَّ هناك ما يحول بيننا وبين التصريح بما يعتلج في الصدر؛
ارتيابٌ في الشخص، أو ماضٍ مُرّ، أو هواجسُ ما تفتأ تطفو
على السطح كلما همدَت.
وفي معمعة كل ذلك؛ لِمَ التقرب؟! وكيف يولد الأمان؟
أهناك سقفٌ من الزمن إذا بلغناه اطمأنت القلوب،
أم أن الطمأنينة قرارٌ لا تصنعه الساعات؟
أسئلةٌ مديدةٌ تتناسل من أسئلة، ويتطاير شرارها في أرجاء النفس،
حتى يغدو الصمتُ جوابًا، والترددُ وطنًا، ويقف القلب على عتبة البوح،
لا يجرؤ على الدخول، ولا يقوى على الانصراف.
حين تنتهي الهواجس،
تُفتح لك نوافذ السعادة التي طالما أوصدتها بيديك،
لا لأن الحياة أبت أن تمنحك نورها،
بل لأن الخوف أقنعك أن كل نافذة تؤدي إلى هاوية.
الحياة ليست معقدة إلى الحد الذي يدعوك إلى إسقاط الثقة عن جميع الخلق،
ولسنا متعبدين في الغوص في قلوب الناس، ولا مأمورين بتفتيش نياتهم،
فذلك علمٌ استأثر الله به.
يكفينا أن نوصد منافذ الغفلة،
ونُحكم محابس الأمان،
ونحصن أنفسنا بالحكمة لا بالريبة،
وبالفطنة لا بالخوف؛
فإن غزاة القلوب لا يقتحمون حصنًا عامرًا بالوعي،
وإنما يترقبون لحظة ضعف، فيعبرون منها إلى الروح،
حتى يستوطنوا مواضع الحياة فيها، فلا يتركون بعد خضرتها إلا يبسًا،
ولا بعد أنسها إلا وحشة.