من أعجبِ ما يُبتلى به الإنسانُ أن يقضي عمره يُرمِّم الجدران،
وينسى أن الشقوقَ بدأت في الأساس. فنحن كثيرًا ما نُخاصم النتائج،
ونُهادن الأسباب، حتى إذا أعيا بنا الطريق، اتهمنا القدر، وما ظلمنا إلا أنفسنا.
ليست الحقيقةُ دائمًا ما تراه العين، وإنما ما ينجو من تغيُّرها؛
فكم من وجهٍ أضاءته المسافةُ فأحببناه، فلما اقتربنا منه انطفأ،
وكم من أمرٍ حسبناه خسارةً، فإذا به البابُ الوحيدُ الذي كان يقود إلى النجاة.
والحياةُ لا تُرهق الإنسانَ بكثرة ما تحملُه على كتفيه،
وإنما بكثرة ما يحملُه في قلبه؛ فالأحمالُ تُوضع،
أما الأثقالُ التي تسكن الروح، فهي التي تُبطئ المسير.
ولعلَّ أعظمَ الحرية أن تُحسنَ التخلِّي؛ أن تعرف متى تُغلق بابًا لا يفتح إلا الريح،
ومتى تُطفئ نارًا لا تُنير إلا الرماد، ومتى تترك سؤالًا لأن الجوابَ قد اختار الصمت.
إن الزمنَ لا يُغيِّر الناس، بل يكشف طبقاتهم؛
كما ينحسر البحرُ عن صخوره،
لا ليخلقها، بل ليُظهر ما كان مستورًا تحت مائه.
وما الإنسانُ إلا مسافرٌ يحمل مصباحًا في مهبِّ الريح؛
فإن جعل زيتَه من الحكمة دام ضياؤه، وإن ملأه من أهوائه،
أكلت النارُ المصباحَ قبل أن تُضيءَ الطريق.
فلا تركض خلف كلِّ ما يلمع؛ فإن النجومَ البعيدة تهدي السائر،
وأما الشهبُ القريبة، فما خُلقت إلا لتحترق.
من نواةِ الضميرِ يولدُ الشعور، ومن صفاءِ الشعورِ يسطعُ النور،
ومن إشراقِ النورِ يستقيمُ المسير.
ومن تقلُّباتِ الحياةِ يولدُ الحنين، ومن تعاقبِ الليالي يشتدُّ الأنين،
ومن صمتِ الذكرياتِ ينطقُ اليقين.
فالضميرُ أصلٌ إذا صلحَ أثمر، وإذا فسدَ أقفر، والحنينُ أثرٌ لا يُولدُ من الفراغ،
بل من قلبٍ ذاقَ الوصالَ ثم عرفَ الانفصال، وشهدَ الإقبالَ ثم أدركَ الزوال.
وهكذا يمضي الإنسانُ بين ضميرٍ يُهذِّبه، وحنينٍ يُؤدِّبه؛
فهذا يردُّه إلى الحقِّ إذا مال، وذاك يردُّه إلى نفسه إذا طالَ به الترحال.