ما الحب؟
أكاد أظن أن الإنسان هو الذي سمّى كلَّ ميلٍ حبًّا،
أما السماء فكانت أدقَّ من أن تمنحه هذا الاتساع.
فالحبُّ لفظةٌ تتسع حتى يضيق بها معناها؛
يدخلها الهوى، وتجاورها الشهوة، ويختبئ خلفها التملك،
ثم يخرج الناس يظنون أنهم تكلموا عن حقيقةٍ واحدة،
وما اجتمعوا إلا على حروفها.
ولعل لهذا لم يجعل القرآن الحبَّ عنوانًا للعلاقة التي يُراد لها البقاء؛
لأن البقاء لا تؤسسه العاطفة، وإنما تؤسسه المودة،
ولا تحرسه الرغبة، وإنما تحرسه الرحمة. أما الحب إذا تُرك لذاته،
فقد يبلغ بالقلب أن يُستلب،
كما استُلب قلب امرأة العزيز: ï´؟قد شغفها حبًّاï´¾.
ومن هنا أفهم أن الحب ليس منزلةً، بل امتحان؛
فإما أن يرتقي حتى يصير مودةً تحفظ، ورحمةً تغفر،
وميثاقًا يبقى... وإما أن يظل اسمًا جميلًا يردده الناس،
بينما حقيقته لم تغادر أول الطريق.
ولعل أعظم قصص الحب ليست تلك التي امتلأت بالغزل،
بل تلك التي امتلأت بالوفاء؛ فالقلوب لا يخلدها ما قالت،
وإنما ما حفظت.
لعلَّ من بصائرِ القدر...
أن يجعلَ محافلَ اللقاءِ تُقامُ على ضجيجِ الانتظار،
وتُنسَجَ أهازيجُ الحضورِ من لفيفِ الاشتياق؛
فما كان الوصولُ وليدَ الطريق، بل ثمرةَ صبرٍ طال،
وشوقٍ استطال، حتى إذا التأمتِ الأرواحُ،
أيقنت أن للغيابِ حكمةً لا يُفصحُ عنها إلا اللقاء.