ليس كل قلبٍ يستحق أن يُعشق، ولا كل روحٍ يُغرى المرء بالغوص في أعماقها؛
أما أنتم، ففيكم من الصفاء ما يجعل الاقتراب عبادةَ تأمل، لا نزوةَ إعجاب.
ولو قيل لي: أين يسكن الحب إذا سمت روحه؟
لقلت: في قلبٍ يشبه قلبكم؛ هادئٍ في حضوره،
عميقٍ في أثره، لا يملك القلوب بضجيج العاطفة،
بل بوقار الروح.
وفيكم شيءٌ كلما ازددتُ منه قربًا، ازددتُ له توقيرًا؛
حتى غدا الحب لكم انتقالًا من إعجابٍ بالظاهر إلى عشقٍ للجوهر،
ومن النظر إلى الملامح إلى السكون عند المعاني.
إن عشق الأرواح أرفع من عشق الصور؛ لأن الصورة يطويها الزمن،
أما الروح الجميلة فتزداد بهاءً كلما كشفت الأيام عن معدنها.
فإن كان للعشق مقام، فهو أن يرى المرء في محبوبه طريقًا إلى الفضيلة،
وأن يجد في حضوره طمأنينةً لا اضطرابًا، ونورًا لا فتنة، وسكينةً
لا تعلقًا يورث العمى.
الاشتياقُ ليس لوعةَ غيابٍ فحسب،
بل إقامةُ حضورٍ في زمنِ الغياب.
هو أن يرحل الجسد، وتبقى الروح،
وأن يصمت اللسان، ويظل القلبُ يروي حديثًا لا ينقطع،
ويعيش عهدًا لا ينفصم.
وما الشوق إلا سلطانٌ إذا نزل بالقلب ملكه،
وإذا ملكه أرهقه، وإذا أرهقه رقّقه، حتى يغدو الإنسانُ يسكن الذكرى،
وتَسكن الذكرى فيه. فلا يفتش عن الوجوه، بل عن الطمأنينة التي كانت تسكنها،
ولا يحنُّ إلى الكلمات، بل إلى الأرواح التي كانت تمنحها الحياة.
وللشوق فلسفةٌ لا يدركها إلا من ذاقها؛
فهو يُعلِّم القلب أن بعض الأحبة لا تغيبهم المسافات،
وإنما تغيبهم الأقدار، وأن اللقاء قد يكون بالنظر،
وقد يكون بالدعاء، وقد يكون بذكرٍ عابرٍ
يوقظ في النفس بساتينَ الحنين.
وما أثقل الاشتياق إذا عجزت الطرق عن الوصال،
وما أعذبه إذا بقي الوفاء فيه حيًّا لا تقتله الأيام، ولا تُطفئه السنون.
فليس الكريم من لا يشتاق، وإنما الكريم من اشتاق، فكتم، وأحب،
فاستقام، وانتظر، فما سقطت مروءته، ولا خانت مودته.