وبين لفيفِ الحضورِ، وتيهِ الدروبِ، ينبضُ في الأعماقِ سرُّ البقاء،
ويتسلَّلُ إلى أحراشِ الممكنِ خيطُ الرجاء؛ فلا يخضعُ لعاصفةٍ،
ولا يركعُ لمحنةٍ، بل يمضي حتى يفتحَ للآمالِ بابًا،
وللقلوبِ إيابًا.
ما أثقلَ أن يسيرَ المرءُ في طريقٍ يجهلُ خاتمتَه،
فلا يدري أهو يمضي إلى لقاءٍ أم إلى انقضاء،
إلى حقيقةٍ أم إلى وهمٍ أحسنَ الظنَّ به حتى صدَّقه.
فليست المشقةُ في المسير،
وإنما في أن يُنفق القلبُ من رجائه ما لا يستردُّه
إذا انكشف الغطاء.
ولعلَّ بعضَ الحكايات لا تُرهقنا لأنها عسيرة،
بل لأنها مُعلَّقة؛ لا هي أعلنت تمامَها فنستريح،
ولا هي قطعت أسبابَها فنمضي. فنظلُّ نُؤثث لها في النفس مقامًا،
ونُسقيها من الوقت ما ليس لها، حتى إذا تكشَّف وجهُها،
أدركنا أن أكثرَ ما أتعبنا لم يكن الفقد، بل انتظارُ ما لم يكن.
ما ظننتموه نقاطًا مبعثرةً في أطراف الكلام، ما كان فراغًا...
بل كان امتلاءً عجز الحرفُ عن احتوائه، وضاق اللفظُ عن حمله،
فترك القلبُ بين نقطةٍ ونقطةٍ سرًّا لا يُرى، لكنه يُحسُّ ويُروى.
تلك الفراغاتُ لم تكن غيابًا، بل حضورًا مستترًا؛
لم تكن صمتًا، بل صرخةً خافتةً أرهقها الوقارُ فأخفاها،
وأرهقها الشوقُ فأبقاها. فما بين النقطةِ والنقطةِ مسافةُ روحٍ إلى روح،
ونبضةُ قلبٍ إلى قلب، وحكايةُ معنىً لم يجد له في القواميسِ مقامًا.
ولعلَّ أعمقَ ما في المحبةِ أنها حين تبلغ منتهاها لا تعودُ بحاجةٍ إلى بيان؛
إذ يصبح الصمتُ لسانها، والغيابُ سؤالها، والنقاطُ الفارغةُ رسائلَ مكتملةً
لا يقرأها إلا من عرف لغةَ القلوب.
فبعضُ الكلام يُكتب بالحروف، وبعضُه يُكتب بالدموع، وبعضُه يُترك نقاطًا...
لأن وراءها كلمةً واحدةً لو نُطقت لاهتزَّ لها القلب: أحبك.
ليس أندرَ ما في الوجود عقلٌ يحفظ،
وإنما عقلٌ ينفذ؛ فالحفظُ يملك الألفاظ،
وأما النفاذُ فيملك مفاتيحها.
وما أكثر من يقفون عند حدود العبارة،
وما أقلَّ من يعبرون منها إلى ما أُريد بها،
ثم إلى ما عجزت عن حمله.
فثمّة أرواحٌ لا تقرأ الكلام، بل تقرأ منشأه؛
ولا تسمع الصوت، بل تسمع باعثه؛
ولا تنظر إلى السطور، بل إلى المسافة التي
تركها الكاتب بين سطرٍ وسطر.
وكأن الحقيقة عندها لا تُقال، وإنما تُومأ إليها،
ولا تُهدى بالحروف، وإنما تُستدل بها.
ولعل أعظم الفطنة أن ترى ما لم يُكتب،
وأن تفهم ما لم يُشرح، وأن تدرك أن أكثر المعاني صدقًا
هي تلك التي ضاقت عنها العبارة، فاتخذت من الصمت لسانًا،
ومن الإشارة بيانًا، ومن التأمل طريقًا.