من مجازاتِ العبارة...
أن نُداري بها إحساسًا يُشاغب القلب، وخيالًا يُراود الفكر،
وشوقًا يبعثره القدر، فلا يبقى منه إلا أثرٌ يقتاتُ على الذكرى،
ووعدٌ يتوكأ على الانتظار.
ومن مجازاتها... حنينٌ يرتسم على صفحة الغياب،
فلا يمحوه البُعد، ولا تُطفئه الأيام، وآهاتٌ لو أُطلقت لعجزت الآذان عن احتمال صداها،
لأنها لا تخرج من الحناجر، بل تتسلل من شقوق الأرواح.
ومن مجازاتها أيضًا... أن نُسمّي الصبرَ احتمالًا، وهو في حقيقته وقوفُ الروح على حافة الانكسار،
وأن نُسمّي النسيانَ عزاءً، وهو في جوهره ذاكرةٌ أرهقها التعب، فلم تجد إلا السكون ستارًا.
ويبقى الخلاصُ مؤجَّلًا... لا لأن الطريق بعيد، بل لأن للقدر مواقيتَ لا تستجيب لعجلة الأشواق،
وللأماني أبوابًا لا تُفتح إلا حين يأذن الحكيم، فيأتي الفرج بعد أن يفرغ القلب من حيلته،
ولا يبقى فيه إلا حسنُ الظن بالله.
إلى أين تقودنا الأقدار في تلكم العلاقة؟
إلى لقاءٍ أم إلى افتراق، إلى يقينٍ أم إلى اشتياق؟
وأيُّ سرٍّ هذا الذي يجعل القلبَ بين صبرٍ واحتراق،
والروحَ بين إقدامٍ وإحجام،
والكلمةَ بين بوحٍ وإمساك؟
أهي علاقةٌ تُبنى على الوصال، أم ابتلاءٌ يُصاغ من طول الانتظار؟
أم أنها قدرٌ كُتب علينا أن نُداري فيه المشاعر، ونكتم الإحساس،
ونبتسم والوجدان يعتصره الصمت اعتصارًا؟
إلى متى يظلُّ العقلُ يُفاوض القلب، والقلبُ يُخاصم القدر؟
وإلى متى نظلُّ نُجيد فنَّ التجلُّد، بينما في الداخل حريقٌ لا يُرى،
ووجعٌ لا يُروى، وشوقٌ لا يجرؤ على الإفصاح؟
ثم ما الذي يُخبِّئه الغد؟ أيفتح لهذه الحيرة بابًا، أم يزيدها حجابًا؟
أيجمع ما بعثرته الأيام، أم يجعل الذكرى آخر ما تبقّى من الحكاية؟
لعلَّ أعجب ما في الأقدار... أنها لا تُطلع السائر على نهاية الطريق،
وإنما تمنحه من الصبر بقدر ما تمنعه من اليقين، فيمضي وقلبُه بين رجاءٍ يُحييه،
وخوفٍ يُفنيه، حتى يأذن الله بما خبَّأه وراء الغيب.