ما أعجب العلاقات حين تُولد بين يقينٍ لم يكتمل،
وظنٍّ لم ينعدم؛ فلا هي اقتربت حتى تستريح القلوب،
ولا ابتعدت حتى تنصرف الدروب.
يبدأ الأمر بكلمة، ثم يتبعها سؤال، ثم تلميح، ثم صمت...
حتى يصبح كل حرفٍ جسَّ نبض، وكل غيابٍ موضعَ فرض،
وكل حضورٍ بابًا لتأويلٍ جديد.
في تلك المواطن لا يبحث المرء عن الجواب بقدر ما يبحث عن أثره في قلب الآخر؛
فيرسل العبارة لا ليُسمِعها، بل ليرى صداها، ويخفي الشعور لا لأنه عدمه،
بل لأنه يخشى أن يبوح بما لا يجد له في الطرف الآخر مأواه.
وقد يحمل القلب مودةً صادقة، ومعزةً خالصة،
غير أن العقل يقف على عتبة الحذر،
فلا يسمح للمشاعر أن تتجاوز حدود الاحترام،
ولا يرضى للظنون أن ترتدي ثوب الحقائق.
ولعل أكثر ما يُرهق النفس ليس الغياب،
وإنما الاحتمال؛ فالحقائق تُريح وإن كانت موجعة،
أما الاحتمالات فتُتعب وإن كانت جميلة.
لذلك يبقى الإنسان معلقًا بين قلبٍ يقرأ الإشارات،
وعقلٍ يطالب بالبراهين، حتى يدرك أن بعض الأبواب لا تُفتح بالإلحاح،
وإنما يفتحها الوضوح، وأن بعض الأسئلة لا يجيب عنها الذكاء، بل الصدق.
ولعل أجمل العلاقات ليست تلك التي يكثر فيها التأويل،
بل تلك التي إذا حضرت فيها الحقيقة،
سكن القلب، واطمأن الفكر، واستراح الضمير.
حيث الأنا ضجيج الروح، وصراع بقاء على عرش الحضور،
وتتجاذبها أقطاب الوهم، وتدافعها وفود الصمود في وجه الأقدار.
ونفائس أحلام تدسها مخاوف الارتحال،
وأمواج عظام يطلقها بحر الألطاف،
لعل في آخر الموج رسو سلام.
وبين خوف يقتات من الغيب،
ورجاء يستمد نوره من الغيب، تقف الروح على عتبة الانتظار،
لا تدري أهو ابتلاء يطهرها، أم اصطفاء يرفعها
، أم انكسار يعيد إليها حقيقتها.
فكل سقوط يظنه الجسد نهاية، تراه الروح بداية،
وكل ضياع تحسبه الأنا فناء، تجعله الحكمة بابا إلى البقاء،
حتى ينقشع ضباب الوهم، وتنطفئ ضوضاء الأنا،
فلا يبقى إلا سر يسير إلى سره، وروح تعود إلى أصلها،
وسلام لا يولد من هدوء الطريق، بل من التصالح مع الطريق.
ليس العاشقان اثنين، بل ثلاثة؛
هو، وهي، وسر بينهما لا يُرى ولا يُسمى.
لا يولد من اللقاء، بل من الامتناع،
ولا يسكن في الكلام، بل في الصمت إذا صار استماع.
كلما أنكراه شهد لهما،
وكلما كتماه أفصح عنهما،
حتى غدا الصمت لسانه،
والنظر بيانه،
والبعد قربه،
والقرب ستره وأمانه.
ثم لا يلبث ذلك الثالث أن يستغني عنهما،
فيصير قدرا بينهما لا سرا عندهما؛
يكتب حضوره في الغياب،
ويخفي غيابه في الاقتراب.
حتى إذا ظن كل واحد أنه يهرب من الآخر،
علم أنه لم يكن يهرب إلا إليه؛
إلى ذلك السر الذي لا اسم له إذا سُئل،
ولا أثر له إذا طُلب،
ولا حياة له إلا حين يعجز القلب عن الاعتراف،
ويكتفي بأن يفهم ما لم يقله اللسان.
لك هنا همسةُ مُحبّ؛
إذا ما أضناك تعبُ التفكير في نيل ما تحلم،
فلا تُكثر الوقوف على أطلال الخيبات؛
فبذلك تُرهق جنودَ عزمك،
وتُسلِّم روحك وذاتك لجلاد الندم.
وإنما...
افرد شراعَ سفينةِ التوكّل،
واجعل قبلتك الهدفَ الذي من أجله تُبحر،
واجعل من عواصف الابتلاء عونًا لتسهيل الوصل
وتحقيق المراد.
لك هنا همسةُ مُحبٍّ؛
لا تُخاصم الأقدار إذا جاءت على غير هواك،
فإن السفينة لا تبلغ الشاطئ لأنها وجدت البحر هادئًا،
بل لأنها عرفت كيف تُحسن الإبحار إذا هاج الموج.
واعلم...
أن أثقل ما يحمله المرء ليس همَّ الطريق،
وإنما خوفه من الطريق؛ فإذا سكن قلبك إلى الله،
خفَّ الحمل وإن طال السفر، وإذا امتلأ قلبك يقينًا،
صار كلُّ منعٍ إعدادًا، وكلُّ تأخيرٍ إنضاجًا،
وكلُّ ابتلاءٍ سلَّمًا يرفعك إلى ما لم تكن تبلغه
بقوتك وحدها.
ولك هنا همسةُ مُحبٍّ ثالثة؛
لا تُرهق روحك بمقارنة رحلتك برحلات الآخرين؛
فلكلِّ قلبٍ ميقاته، ولكلِّ إنسانٍ طريقٌ كُتب له أن يسلكه،
وما كان لغيرك ليس دليلَ نقصانك، وما تأخَّر عنك
ليس برهانَ حرمانك.
وإنما...
ازرع في أيامك عملًا صادقًا، واسقِه بصبرٍ جميل،
ثم اترك للزمن أن يُظهر الثمرة في أوانها؛
فإن بعض الأماني تنضج سريعًا،
وبعضها يحتاج فصولًا من الصبر
حتى يكتمل معناها.
فامضِ مطمئنًّا؛ فما دام في القلب رجاء،
وفي السعي صدق، وفي التوكّل يقين،
فلن يضيع طريقٌ سار فيه المرء إلى غايةٍ نبيلة.