من خفايا القدر...
هناك فسحةُ اختبار، منها يُقيم الإنسان نفسه،
ليعرف سرَّ وجوده في هذه الرحلة، المقيّدة بوقت وصوله؛
فيتأمل ما أودع فيها من معنى، وما حمّله القدر من مبنى،
ويعلم أن الطريق ليس بطول المسير، وإنما بصدق المصير،
وأن قيمة الرحلة ليست في كثرة الخطى،
بل فيما تُخلّفه الخطى في النفس من أثرٍ وهدى.
لحظةٌ تنهش فينا معاني الصبر،
فنستجلب حينها أسمى أدواته،
ونُحصي عديد ثماره،
ونُذكّر القلب بما للصابرين من عاقبةٍ وبشارة؛
ومع هذا...
تستوطننا هواجس الهجر والجفاء،
وتتسلل إلى الروح ظنون الغياب والانطفاء،
فنظل بين يقينٍ يُربّت على القلب: اصبر، فلكل غائبٍ إياب،
وهاجسٍ يهمس في الخفاء: لعلّ هذا الانتظار ليس إلا بداية الفناء.
في هذه الحياة...
وفي أمواجها الهادرة المتلاطمة، نحتاج إلى بوصلةٍ نهتدي بها،
نحدد بها وجهتنا، ونعرف بها أين نمضي؛ كي لا تبتلعنا دوّاماتها،
ولا تشتتنا رياحها، ولا ننجرف مع اضطرابها بعيدًا عن شاطئ النجاة.
أتعلمون مَن أشدُّ الناس قتلًا لأنفسهم؟
أولئك الذين اتخذوا من أحزانهم مقامًا،
ومن أوجاعهم سيرةً تُروى، ومن انكسارهم هيئةً لا يفارقونها ،
فكلما أقبل عليهم نورٌ من العافية، أوحت إليهم نفوسهم أن الظلمة أصدق،
وأن الجرح إن شُفي فقدوا ما عرّفهم بأنفسهم.
وما هكذا تُصان الأرواح...
إنما يُبتلى المرء ليعرف ربَّه في ضعفه،
ويعرف قدرَ العافية في كربه،
ويعرف أن القلب الذي أوجعته الأيام ليس قلبًا
محكومًا عليه بالألم إلى الأبد.
فوا أسفاه على من أطال الوقوف على جرحه،
حتى صار الجرحُ وطنًا، وعلى من أكثر النظر إلى عتمته،
حتى نسي أن للفجر موعدًا، وأن وراء كل ليلٍ سرًّا من أسرار النور.
وليتهم يعلمون...
أن الشجاعة ليست أن تُخفي وجعك عن الناس،
ولا أن تُكثر من إظهاره لهم؛ ولكن الشجاعة أن تحمله،
وفي قلبك يقينٌ بأنه سيمضي.
أن تبكي، وفي أعماقك صلاة.
أن تنكسر، وفي روحك رجاء.
أن يشتد عليك الليل، وفي قلبك نافذةٌ لا تُغلق،
لأنك تعلم أن الذي أراك ظلمة الليل قادرٌ أن يريك صبحه.
فلا تجعلوا من الألم مذهبًا، ولا من الحزن نسبًا، ولا من الجرح اسمًا آخر لكم.
قولوا لأنفسكم: قد مسّنا الضر، ولكن لم يمسّ اليقين.
قد طال بنا البلاء، ولكن لم يطل علينا لطف الله.
قد أظلم الطريق، ولكن ربَّ الطريق يرى خطانا.
وإن أبطأت العافية، فلا يعني أنها غابت ،
فربما كانت تُنسج لنا في الغيب على مهلٍ يليق بحكمة الله.
فاثبتوا...
فإن أجمل ما في القلب أنه يستطيع أن يحمل وجعه بيد،
ويحمل الأمل باليد الأخرى، ويمضي بينهما إلى الله.
ولعلّ ما حسبناه آخر الحكاية،
كان أول سطرٍ في فصلٍ لم نقرأه بعد ،
فكم من قلبٍ ظن أن الفجر لن يطلع،
ثم أشرقت عليه شمسٌ أنسته طول العتمة.